للنشر....ملتقى المصباح الثقافي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة شارك معنا بجمع المحتوى الادبي والثقافي العربي وذلك بنشر خبر او مقال أو نص...
وباستطاعت الزوار اضافة مقالاتهم في صفحة اضف مقال وبدون تسجيل

يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الموقع
او تريد الاطلاع والاستفادة من موقعنا تفضل بتصفح اقسام الموقع
سنتشرف بتسجيلك
الناشرون
شكرا لتفضلك زيارتنا
ادارة الموقع
للنــــشـر ... ملتقى نور المصباح الثقافي
للنــــشـر ... مجلة نوافذ الادبية

أدب ـ ثقاقات ـ مجتمع ـ صحة ـ فنون ـ فن ـ قضايا ـ تنمية ـ ملفات ـ مشاهير ـ فلسطين
 
الرئيسيةاعلانات المواقعالمنشوراتمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
نرحب بجميع المقالات الواردة الينا ... ويرجى مراسلتنا لغير الاعضاء المسجلين عبرإتصل بنا |
جميع المساهمات والمقالات التي تصل الى الموقع عبر اتصل بنا يتم مراجعتها ونشرها في القسم المخصص لها شكرا لكم
جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط
هــذا المـــوقــع

موقع وملتقيات أدبية ثقافية منوعة شاملة ، وسيلة لحفظ المواضيع والنصوص{سلة لجمع المحتوى الثقافي والأدبي العربي} يعتمد على مشاركات الأعضاء والزوار وإدارة تحرير الموقع بالتحكم الكامل بمحتوياته .الموقع ليس مصدر المواضيع والمقالات الأصلي إنما هو وسيلة للاطلاع والنشر والحفظ ، مصادرنا متعددة عربية وغير عربية .

بما أن الموضوع لا يكتمل إلا بمناقشته والإضافة عليه يوفر الموقع مساحات واسعة لذلك. ومن هنا ندعو كل زوارنا وأعضاء الموقع المشاركة والمناقشة وإضافة نصوصهم ومقالاتهم .

المواضيع الأكثر شعبية
كتاب - الجفر - للتحميل , الإمام علي بن أبي طالب ( ع )+
أتخنس أم أزيد
موسوعة المدن والبلدان الفلسطينية
قائمة بأسماء خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية.. سوريا
سحر الجان في التأثير على أعصاب الانسان
مشاهير من فلسطين / هؤلاء فلسطينيون
مجموعة صور /أطفال مشردين أم اطفال شوارع
عتابا شرقية من التراث الشعبي في سوريا
عمالة الأطفال مشكلة تحتاج إلى حل
الأغذية المعدلة وراثيا
إحصاءات الموقع
عمر الموقع بالأيام :
3614 يوم.
عدد المواضيع في الموقع:
5650 موضوع.
عدد الزوار
Amazing Counters
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 9 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 9 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 1497 بتاريخ 04.05.12 19:52
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
***
hitstatus

شاطر | 
 

 رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:16

1

سهام سالم
لا يمكن لك أن تقنع أحدًا بجهلك قصص العشق والغرام عبر تاريخ الإنسانية، لن تخلو مداركك من لحظة معرفية بقصة قيس وليلى، أو عنترة وعبلة، أو جميل وبثينة، أو كُثير وعزة، أو روميو وجولييت، أو... ومن الطبيعي أن تكون قد مرت بك جميعًا، ولكن قد أجد لك العذر في جهلك قصة العشق بين مدينتي والبحر لقصورٍ في النقل أحمل وأمثالي وزره. فلم نبث عبر حلقات الزمن الغرام الطاهر، والهيام اللامتناهي، والاحتضان الأبدي الذي ساد رحلة الهوى الطويلة التي جمعتهما سويّا؛ إنه يلفها بذراعيه منذ بدء التكوين وحتى الأزل. لا يعبأ بمحاولات العابثين فك ذراعيه، وتلقي المعشوقة بمساحة ودها الممتدة عبر تاريخ الكون في أعماقه، كأنها سيف يقبع في غمده وتسترخي على صدره المنبسط عبر الأفق الواسع كأنها ماسة في جيد حسناء، لم يدنس الراكبون عبابه الرابط القوي بينهما، ولم يفلحوا في فك عراه. كان التفافه بها يشكل مع حسنها قيمتها المستقاة من عناقها له. تلك القيمة الخالدة التي رسخت في ذهن الدهر منذ أن صنعوا لها اسمًا أمسى عقدًا يتدلى على صدرها فيزين صدر التاريخ. ترقد في حضنه. تتوسد ذراعيه مغمضة العينين. يداعب نسيمه وجنتيها، ويعبث بخصلات شعرها الأشقر الطويل حتى سفحيها. تعانق المد وترحل مع الجزر. تسبح في أحلامها. لا شيء يقلقها إلا رجع صدى الأوامر المنبعثة من حنجرة (روميل) بدكّ أطرافها، ودوي مدافع الحلفاء المضادة، وأزيز رصاص بنادقهم. تفزعها الكوابيس فتصحو على بقايا حطامهم المحاطة بسياج الذاكرة، وتحتفظ برفات رفاقهم في غربها وجنوبها. منها ما تطل من علٍ ترقب الفُلْكَ في غدوها ورواحها كأنها تستجيب لنداءات أرواح قاطنيها الآملة في عودتها إلى موطنها الأصلي، وتحتفي تلكم الذاكرة بأمجاد أبناءٍ حاكوا لها نطاقًا من عز. وبُعيد اكتمال استدارة القمر، وفي سكون ليالي الصيف والربيع التي لا يعكر صفوها إلا نباح الكلاب، ومواء القطط، تشرع مبانٍ قديمة تقوست أعمدة سقفها في سرد حكاياتها الطويلة مع الزمن الغابر، والطائرات التي كانت تتقيأ حممًا فوق أسطحها.
العاشق يمتد فضاء رحبًا في شمالها ليربطها بالعالم الآخر، ناظراك يجوبان فضاءه لعلهما يقعان على نهاية له دون جدوى. تكسر بصرك موجة تلملم نفسها من بعيد، تلمحها تسير هوجاء نحوك تبدي نية اقتلاعك من مكانك. تتباطأ حركتها ويقل علو شأنها، فتتحطم عند أطراف قدميك ويتلاشى منها القول والفعل، لكن الحقيقة تُظهر أنها لا تخشاك، ولا تعبأ بحبات الرمل المترمّلة على الشاطئ؛ إنه إعياء آخر المطاف، فقد أتت من بعيد من الأفق، من أقصى القلب تغربل ذاتها بالتموج لعل عالقة نالت من نصاعة بياضها لتحط رحالها أمامك وأنت شزرًا تنظر إليها مهلهلة القوى، فلم تهب بعد الريح التي تجعلها لا تحترم وجودك أو سواك وتثأر لنفسها من غرورك وترد لك بغضب الحليم استهزاءك وتخدش بعنف المضام كبرياءك وتمحق كل من لم يعرها اهتمامه.
العشق لم يمنعه ابتلاع فلذاتها، ليس تجنيًا على المحبوب؛ إنما ظن بأنهم هداياه. هو يعلم قدر جودها. يعلم أن الجود أبلغ سماتها فلا يستغرب أن تجود بذويها، فلا يزعزع ذلك مساحة الالتصاق، ويمنح في المقابل هداياه حتى من المارين في جوفه في رحلاتهم الدائمة في مواسم الهجرة. فيستمد كل وجوده من الآخر.
يمتزج البحر بالجبل، والجبل بالسهل، والسهل بالهضاب، والحدب بالصوب، والريف بالحضر، والحضر بالمدنية المستورد بعضها من الجوار، وبعض بعضها الآخر مستقى عبر الفضاء. وعلى ضفاف هذا التمازج تخلّق تمازج بين العرف والقانون، وتقارب البون بين العادات والتقاليد والتقليد؛ إنها مزيج الزمان والمكان، مزيج الماضي بالواقع، والواقع بالمستقبل، والجهل بالمعرفة، والمدنية بالعصبية، ومزيج الفصول. وحدها الكرم والنجاد والمشاركات الوجدانية لا انزياح لها ولا مزيج لها مع غير ذاتها المتجذرة في عمق الأصالة. يصعب وصفها إطلاقًا بما يصنفها في طور المدنية، كما يصعب التعامل معها من منظور البداوة. فهي مزيج العلاقات الاجتماعية. مزيج النظام وخلافه. مزيج الارتفاع والانخفاض. مزيج الرمال والصخور. حتى المياه السوداء والمياه الزرقاء مزيج. ليس من الصدق وصفها وصفًا مطلقًا بالمدينة، وليس من العدل نعتها نعتًا مطلقًا بالقرية، فمحال تزيين النساء المنتشرة فيها، والتي لم تعد تعمل وفق نظام اليومين في الأسبوع، بل كل أيامه، ولم تعد العرائس وحدها الزبائن. ومحال بيع الملابس الراقية – ليس ذوقيّا؛ بل لمسايرتها الموضة – التي تعج بما انشق وارتفع، وما تزيَّن بالعبارات الأجنبية الخادشة للحياء، والداعية للانسلاخ من الهوية، والمروجة للأفكار الجوفاء من القيم والمبادئ، والتي تمازج بين الموضتين (الإيطالية والتركية) والأطباق التي تزين أسطح كل المنازل – تقريبًا – حتى المسقوف بالزنك منها، والموزعة الاتجاهات، وتضوع رائحة المعسل في سمائها، حتى طغت على رائحة ما نبت من ورود وشجيرات نجت من أيدي العابثين، والمنبعثة من أفواه لم تعرفها من قبل، الفضول وحده جرها إليها لتغدو عادة ثم إدمانًا، أفواه تخفي بين جدرانها أسنانًا لم تتبدل بعد، وأخرى أكلها السوس، وأخرى باعدت الأيام بينها. وزعت الزجاجات ذات الأعناق الطويلة المزركشة، والخراطيم الملفوفة حول أعناقها، وشعلات الجمر المتوهجة بفعل المراوح اليدوية. وزعت على طاولات تحتل المساحات المخصصة لوقوف المركبات؛ كلها صفات وفعال تجنح بنا لننعتها بالمدينة بغض النظر عن رفضها أو قبولها.
واصطفاف مجموعات من الماعز والضأن على جانب الطريق الأيمن تلتقط حبات القمح والشعير التي تتساقط من عربات النقل الثقيل , حين تتجه بها من الميناء الواقع شرق المدينة , إلى مصنع الأعلاف الواقع في غربها، وما يتبقى منها بين الفواصل ولم تتمكن الشياه من التهامه على الرغم من محاولاتها، يظهر مع أول زخات للمطر ليصنع خطّا أخضر على امتداد الطريق، ولا يمكن لهذه المجموعات أن تكون بلا مأوى عندما تعود في المساء بطانًا من هبات مطبات الطريق. والجهل بإشارات المرور فلا فرق عند البعض بين أحمرها وأخضرها وأصفرها، التوقف والاستعداد والانطلاق هي الأخرى مزيج، هذا المزيج يقود إلى عشوائية التصرف والجهل بكيفية السير في جزر الدوران، ومبدأ الأولوية. وسد الطرق الترابية في الأحياء بالأحجار وأنصاف البراميل، لمنع مرور السيارات, كل هذا يشدنا صوب تغليب الطابع القروي الذي ينفر من التقييد والتعقيد وإن كان نظامًا. فالريف حرية في التصرف. حرية في الحركة. حرية في المساحة وهذا ما يجعل أهليه يفكرون أبدًا في توسيع نطاق الحِمى لأقصى درجة ممكنة. في هذه المدينة القرية، أو القرية المدينة، المتكئة على أريكة من معدن التاريخ في قلب العاشق الذي يضمها إليه، ويجذبها نحوه بشغف لا يترك لها إلا ناحية وحيدة تنظر إلى الصحراء من خلالها، حيث تتصل بها ببعض الأودية غير العميقة وقد نمت على سفوحها بعض الأشجار التي غرستها السيول بعد أن جرَّت معها بذرتها وهي مندفعة صوب البحر، رأت عينا (سهام) النور، بعد أن حلت ضيفة على الحياة. تشكلت في الكون على الرغم من أنها لم تسكب نقطة حبر، أو تخط سطرًا في تشكيل كتاب حياتها، ولم تسهم ولو بمقدار نطفة في صنع عذاباتها التي تقبع في ركن الأيام، وتنسج خيوط شبكتها الممتدة بين أغصان السنين. تضررت وليس بيدها، وحطمت صخور البحر المسننة دفة قاربها دون أن تتمكن من التجديف بعيدًا عن التيارات، أو أن تقدر على الرسو بأمان. لم تقترف ذنبًا سوى الحياة، ومشاركة الآخرين الأكسجين، والغذاء من ثديي منجبتها دون أن تميز طعم الحليب. لم تكن تدري عن سني عمرها كيف ستكون، أو كم كأسًا من العذاب ستتجرع، ولم تكن تتوقع أنها ستجني على أحد ممن تحب.
لقد نسجت رغبات آخرين مأساتها التي أرقتها طوال حياتها في زمن لا يتعدى زمن تلاشي الدخان المتصاعد من عود الثقاب إثر نفخه تُقر بانتهاء مهمته إلى الأبد، وحيكت خيوطها قبل بضع سنين في مدينة تشهد تمازجًا بين الحضارة والبداوة، وفي مساءٍ لا تزال السماء تكثف مساعيها الجادة في تكوين غيومها، وتلملم أطرافها كأنها قطعان من الحمر الوحشية قد أدركها خطر الموت، فتداعت فيما بينها تلتمس الأمان، وتصطنع القوة، ولعل هذه الغيوم تجبر ما أفسدته سنون خلت خلفت جفافًا مقيتًا، ولتعطي الإذن لسيولها أن تجري حافية القدمين في أودية المدينة لتصب في سهولها ومن ثم البحر، تغسل أديم الأرض، وتنشر الاخضرار. أوحت بأنها آثرت أن تبدأ الشتاء بزخاتها المتلاحقة، وتشرع في رحلة الهطول للموسم الجديد، بصحبتها برد لدود تسكبه رياح الغربي في جوف المدينة القاحل، فسارع أبناؤها بإخراج الأحذية والجوارب والملابس الشتوية من سباتها في قعر الخزائن، وعلى شراء كميات من الفحم، وصيانة أجهزة التدفئة، وتنظيف السخانات من رواسب المياه. الكل يشعر بالبرد إلا (مستورة) وحدها كانت تشعر بالدفء يدب في أوصالها كأنه الخدر الذي لا تعلم مصدره؛ أهو الألم المصاحب لأشهر الحمل الأخيرة؟! أم ألم المأساة التي ستحل إن أنجبت جنينًا لا صرخة له؟! أم حرارة الأمل في أن القادم مولود ذكر يشع بالحياة تدوي صرخته في أذني ذاكرة السنين العجاف، وتنمو عليها أزهار الغد.
بعد انقضاء أيام وليالٍ لم تتعدَّ سني صبرها استهل سالم الحياة بصرخة... الصرخة التي انتظرها بلهفة شديدة كل ذوي الرحم، فالأب والأم لا يمكن تصوير حالة السرور والغبطة التي علت محياهما. وجده لأبيه الذي حرص على الفوز بالسبق الشرعي في تسميته؛ فهو من وسمه بهذا الاسم تيمنًا وأملاً في ألا يلقى المولود الجديد مصير سابقيه، فسلامة المولود هذه ذات صلة بالتسمية، كذلك الحال بالنسبة لوالدته التي سلمت من يمين زوجها "والد سالم" عليها فقد قال لها يومًا بعد أن علم بحملها الأخير: أقسم بالله العلي العظيم إن لم ينجُ هذا المولود لأتزوجنَّ عليك. وعلى الرغم من أن "سالم" ولد ناقصًا "ابن سبعة" إلا إنّه ضمن السلامة للجميع ولا سيما بعد أن أكمل الشهرين الناقصين في المستشفى.
نعم سلم "سالم" وسلم بسلامته الجميع. الأب من القلق والحيرة والخوف من انقطاع النسل واندثار الاسم ، والأم من الطلاق أو الضرة، والجد من حمل هم ولده وزوجه، ومن الفراغ الذي يعيشه في المدينة بعد أن جاء إليها قسرًا، بعد وفاة زوجته (كريمة)، وزحف الجفاف والتصحر على أرضه التي كان يعيش منها هو ومواشيه، والتي كانت تأكل وقته من صياح ديوك (زوجه) حتى انطلاق معزوفة حماره المنكرة طلبًا للعشاء. وبعد رحيل رفاقه الذين نسقت الأيام لقاءهم الأول مع بدايات الحرب العالمية، ويذكر كيف أن هذه الأيام التي جلبت عليهم البؤس والفجائع، وهي ذاتها ساقت الجود والعون والأصالة والإخاء والوفاء واللحمة، يذكر كيف أن ضنك العيش قد يقتضي أسلوبًا خاصّا، وقد يكون اصطناعيًا لضمان الاستمرار والبقاء، ويؤثر على الصلات بين أفراد المجتمع والعائلة والأسرة. لا يزال يذكر رفيقه (محمد) ولا يفتأ يكرر إعجابه بشخصيته الجادة، وإصراره على نيل ما يهدف له، فهو حريص على الالتقاء به، شغوف برواية مغامراته، ولا سيما تلك التي خلقت جفوة بينه وبين والده؛ فقد طلب منه يومًا أن يشتري له ثوبًا (لا يأخذ من الثوب غير الاسم. مصنوع من قماش خشن يسمى "البيسة" يخاط من الجانبين وتفتح فيه فتحة من أعلى، واثنتان من الجانبين العلويين ليسمحا بمرور اليدين) رد َّعليه: وفِّر ثمنه واشتره. أظهر صمته عدم رضاه بالرد وزمجر بآخر حلقه. التقت الخطوط الأربعة في جبهته والتي تظهر عند غضبه، انسحب من أمام والده وسحب معه فكره الذي بدأ على الفور في إصدار الأوامر له في البحث عن شيء يوفر به ثمن الثوب، ثبت على فكرة صيد طائر (القاليل) الذي يكثر في الأرض المنبسطة ذات اللون الترابي كالصحراء، وقد أخذ لونه منها فغدا وسيلة دفاعه. سريع في الجري والطيران يميزه صوت جميل. بعد صيد عدد منه سيذهب لبيعه ويطلب من والده شراء الثوب. حينها سيثبت لوالده أنه رجل يمكنه العناية بنفسه. بدأ في اليوم التالي قبيل إطلالة الشمس برأسها الأحمر الذي يشبه ثمرة خوخ وبري طازجة. بعد عمليات الكر والفر والمطاردة ونصب الشراك تمكن من الإمساك بعدد منها، لكن أتت الحاجة بما لا يشتهي محمد فتزامن صيده لسبع قاليلات مع نقص في الشاي والسكر والطحين، فطلب منه والده أن يعطيهم صيده ليشتروا الغذاء فهو الأهم ويؤجل الثوب؛ فرفض الطلب، أصر والده. أصرَّ على موقفه. استخدم والده العنف وأمر بأخذها بالقوة. كلَّف إخوته الذين يكبرونه بأخذها عنوة. كان أسرع منهم. سبقهم إلى المكان الذي احتجزها فيه بعد أن قصَّ ريش أجنحتها. أدرك أنها ستضيع منه لا محالة ويضيع الثوب. رفع عنها الغطاء الذي كان يحبسها. انتشرت في الأرض بكامل سرعتها، انطلق الجميع وراءها أخذت تراوغهم بين كثبان الرمال، ونباتات (المثنان والرمث والعجرم). ولم يتمكنوا من القبض إلا على أربعة منها.
جرت السنون سراعًا، جرَّت معها عمر سالم، دخل المدرسة. كان والداه يتعاملان معه بحب مبالغ فيه نابع من الفرح الكبير به، وكيف لا وقد رزقاه بعد طول انتظار، مما جعل والده ينذر على نفسه بألا يجعل ابنه يحرم مما حرم منه، فقد عاش حياة صعبة أقل من الكفاف، كانت هي الدافع الرئيس للنجاح الذي هو فيه الآن فعمله في المقاولات العامة يوفر دخلاً يضمن له وضعًا ماديّا أقرب إلى الغنى مكنه من أن يغدق على ابنه، على الرغم من تأخر مستحقاته في بعض الأحيان (إن شرب ولم يمد القدح). يباهي بوحيده لدرجة الغلو، وبما أن ما زاد عن حده انقلب إلى ضده فقد كان لهذا الحب المفرط رد فعل في الاتجاه غير المرجو، أصبحت الدراسة لديه شيئًا ثانويّا. أكمل التعليم الأساسي بشق الأنفس وبعد عدة محاولات، كانت رؤيته أن لا حاجة لذي المعيشة الرغدة بعذابات طلب العلم، ماذا يقدم له العلم؟ العلم للمال والمال بين يديه. لم يدرِ أن المال بغير علم خبال. لا يعلم أن العلم يصنع المكانة ويجلب المال، والمال وحده يضيع بعضه. العلم ليس كالمال؛ إنما كالأكل والشرب، وأنَّ فقيرًا ذا معرفة أغنى من غني جاهل. أقنعته والدته وبالمقايضة أن يواصل التعليم الثانوي. شرع في الدراسة الثانوية ولكن حتى مغريات المقايضة لم تفلح في ضمان استمراره فهجر التعليم. حاول والده أن يستقطبه لعمل المقاولات ليكون عونًا له وأمينًا على رزقه أيضًا. لم يفلح الاستقطاب، فرغبته أن يبقى بلا علم ولا عمل , كان لهذا الفشل والاستهتار مردوده السلبي على الحياة الأسرية. المناوشات وكَيْل الاتهامات، صارت السمة الغالبة على نقاش الأب والأم، كل يحاول إيقاع اللوم على الآخر فيما آل إليه وضع ابنهما. الأم ترى أن الأب مهتم بحمل اسمه فقط ليبقي على أثره، لا يفكر في كيفية الأثر. يعترض على كل محاولة لعقابه، يرى أن لطف المعاملة أنجع في التربية. العقاب يضيعه. لا يدرك أن الدلال مضيعة. والأب يرى أن إجبارها له على ما لا يرغب فيه هو سبب إحجامه. الصراع بسببه وهو غير مكترث لما يحصل بينهما، وغير مبالٍ بالسنين التي تمر من عمره، غير ملتفت لما وصل إليه أنداده، ولِمَ الاكتراث والمبالاة والالتفات وكلُّ سُبل الحياة وبأقل جهد – أو بدون جهد– متوفرة بين يديه.
ذات نهار والمنزل خال إلا منه، جالس على كرسي ورجلاه إحداهما فوق الأخرى فوق طاولة الصالون، وأمامه فنجان قهوة بياضُ جوفه أكثر من البُني، ويده اليسرى تتحكم بجهاز التحكم عن بعد ويتنقل بين قنوات "الهوت بيرد" وهو يلقي بقشور الفستق على الأرض بعد إفراغ ما في جوفها في فيه؛ إذا بجرس الهاتف يقوم بوظيفته الدائمة بالإبلاغ عن مكالمة قادمة رفع السماعة بيمناه:
- ألو، من يتكلم؟ (كان الصوت أنثويّا).
- ألو، أريد نجلاء.
- نجلاء فوق السطح تنشر الغسيل: نجلاء. يا نجلاء.
- سمعت الصوت سوف تأتي.
- وأنتِ ما أخبارك؟
- بخير.
- هل أنت صديقتها؟
- نعم.
- ولِمَ لا تكونين صديقة لي أيضًا؟
- أنا لا أعرفك.
- الأيام سوف تعرف بيننا.
- يبدو أنك مثقف.
- جدّا!!!
- تأخرت نجلاء.
- أقول لك شيئًا وتعاهدينني ألا تغضبي.
- قل.
- عاهديني.
- قل.
- عاهديني أولا.
- أعاهدك.
- وألا تقطعي المكالمة.
- لن أقطع المكالمة.
- بصراحة ليس لدينا أحد بهذا الاسم، ولا يوجد في البيت أنثى غير أمي، وهي خارج البيت الآن.
- ولِِِمَ كذبت عليّ .
- لأكسب الوقت.
- سوف أغلق الخط.
- لقد وعدتني.
- لقد ضحكت علي.
- لأتعرّف عليك.
- ليس بالخداع.
- لم أجد غير ذلك يبقيك فترة معي حتى نتعرَّف.
- وهل تعرَّفت؟
- ليس بعد.
- أريد أن أنهي المكالمة.
- دعينا نتحدث قليلا.
- مرة أخرى.
- صحيح؟ صحيح؟
- هل الرقم عندكِ؟
- آه أعطني إيّاه؛ فالمكالمة كانت بالخطأ.
- قصدك صدفة، وربّ صدفة خير من ألف ميعاد: الرقم هو...
- حفظته حفظته، باي باي
وضع السماعة ووضع يديه متشابكتين خلف رأسه ونظر إلى أعلى وتنهّد.
مرت أيام وهو قابع في ذات المكان أغلب الأحيان، مما لفت انتباه أمه التي داعبته قائلة: لو أن الكرسي ينطق لشكاك، فلم يُعرها اهتمامه – وربما – لم ينتبه إليها أصلا. وفجأة ولول الهاتف، وبأسرع من دهشة المفاجأة اندفعت إليه يُمناه:
- ألو ألو.
جاء الردّ جافيًا غليظًا على عكس ما يرجو ويتوقع تمامًا:
- أين أبوك؟
- ليس موجودًا.
- أخبره أنّي اتصلت به وإن لم يكمل العمل في المسكن في الوقت الذي اتفقنا عليه سوف أخرب بيته. وقفل الخط. بقيت السماعة في يده. بقي مذهولا للحظات قطعها صوت أمه: مَنْ؟ وماذا يريد؟ وضع السماعة وأجاب: بني آدم جاهل يهدد. مسكين لا يعلم أن أبي يأخذ من هذا ليبني لهذا، ويماطل حتى تنخفض أسعار المواد. مجددًا يقطع رنين الهاتف الحوار، تتسابق كلتا يديه، تنتبه والدته لذلك. تضع يديها متعاقبتين على صدرها وهي تستند للجدار، ورجلها اليمنى معقوفة على اليسرى بزاوية منفرجة.
- ألو ألو.
- نجلاء موجوده؟
- فوق تنشر الغسيل.
- لِمَ هذا التأخير؟
- كيف حالـ.. ينتبه لوجود والدته: ماذا تفعل الآن يا سمير. تتفهم الأمر. تنسحب وهي تبتسم ساخرة من المحاولة المكشوفة لتضليلها. يدور بينهما حديث ينثر خلاله كل منهما الحَبَّ للآخر داخل شَرَكِه، ويتفنن هو في طلاء ألفاظه بالعسل المصفّى. ويفرش المستقبل بِبُسُطٍ من حرير على جانبيها أكاليل من ياسمين. يخبرها في ثقة أن إحساسه الذي لا يخطئ، المؤسس على نبرات صوتها، يوحي له بأنها أجمل من الحوريات. إطراء مكَّنه من معرفة اسمها (نورا) بينما لم تحتج إلى عناء كي تعرف اسمه (سالم) لقد قدَّمه مجانًا، وعرف أنّها في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. الإغواء والرغبة والإلحاح أثمرت اتفاقًا على لقاء، لم يكن أحدهما يتوقع حصوله في هذا الزمن القياسي. ما أبلغ الاهتمام إذا كانت النزوات هي المحرك. وما أحرص المرء على المواعيد إن كانت خارج نطاق الصواب، وثمارها متعة لحظة. ما أسهل الانصياع لمطالب العاطفة، وما أصعب الإنصات لنداءات العقل. وما أتعس عاقبة الأولى، وما أطيب ثمر الآخرة. في اليوم التالي كان اللقاء. في البداية تعطّلت لغة الكلام. الحياء المؤقت المرتب كديكور يلمع الظاهر كان يؤجل لحظة الانطلاق العاطفي، ويؤخر زمن البوح. ويكبت الرغبات. ولكن الغلبة للشهوة التي تخفف درجات الخجل وتضع حجر أساس الاستدراج . بدأ تبادل الحديث. كانت المقدمات كيلاً للثناء على الصدفة التي كانت أساس هذا اللقاء. بادرها قائلاً:
- ليس الخطأ دائمًا يضر.
- ماذا تقصد؟
- قد تكون للأخطاء فوائد.
- كيف؟
- أليس الخطأ هو الذي جمع بيننا؟!!
- بلى.
- وقد يفرِّق بيننا.
- لا أحب التشاؤم.
- ليس تشاؤمًا. ألا يقولون (ما بني على باطل فهو باطل) والخطأ باطل.
- لا أحب هذا الكلام.
- هل غضبت؟ أمازحك فقط.
- دعنا نذهب.
- ابقِي قليلاً.
- المرة القادمة.
اتفقا على لقاءٍ قريبٍ آخر وأنجزاه، عقبه لقاء، ثم لقاء، ولقاءات، ومع كل لقاء يزداد الانفتاح العاطفي ليطغى على كل تفكير. وفي غفلة من ذات لقاء من لقاءات الغفلة، وجدت الرغبة غير المكبوحة ذاتها ولاسيما عند فتاة في الثامنة عشرة من العمر، تتابع الأفلام والمسلسلات وتنبهر بالأغاني، فمع مقبلات من معسول القول الذي سرى في أحاسيسها كسريان الماء في الأرض الممهدة، وباقات من الأماني بدوام الوصل حدث ما لابد من حدوثه في مناخ كهذا ، حملٌ غير شرعي، أحلّ الحزن مكان الفرح، والعواقب مكان الأماني، والحنظل في الرحيق، والخوف والقلق محل الأمن والطمأنينة، والهروب بديلا ًعن لهفة اللقاء. أيامًا لم تره أو تسمع له صوتًا. كثرت اتصالاتها. تكرارها أجبره على الاستجابة. تجدُّ في تحريضها له كي يجد حلا وهو يتصنّع أن لا حل لهذه المشكلة، أخبرته أن الحل عنده، والأمر بيده ، أنّ عليه أنْ يأتي ويطلبها للزواج في أقرب وقت. أن يصلح ما أفسد العسل المغشوش. محاولات التهرب لم تثنها عن الإصرار على ضرورة الحل. وخَامَةُ العاقبة تكون دائمًا على المرأة. الكسر في الزجاج ليس كمثله في أي مادة أخرى. عِلْمُهَا المتأخر بهذه الحقيقة يوجه تصرفاتها، وينمي إلحاحها. شعر بأن عليه أن يفعل شيئًا يواري سوأتهما. وعدها بأن يفكر في حل سريع يمكن أن يصلح الخطأ.
لاحظت الأسرتان ما طرأ على ابنيهما من قلق ولم يعرفا السبب. كان سالم يتحجج بالفراغ الذي يعيشه، وكانت تعيد الأمر لضغط الدراسة، ولكنه – أخيرًا - صرح لوالدته برغبته في الزواج، انعقد لسانها من المفاجأة وأول ما نطقت سألته:
- وهل تقدر على مسئولياته؟ أنت الذي لا تعير بالاً لأي شيء غير الهاتف وجهاز التحكم والسهر!
ردّ بحنق بعد أن رمى بجهاز التحكم على الأرض:
- وهل ترينني طفلا ً؟ أو أنك ترينني ماجنًا. المهم زوجوني وحالا. ركّزت الأم على كلمة حالاً وسألت:
- وِلمَ حالا؟
- هكذا.
اندهشت من طلبه وانصرفت. عندما عاد زوجها – بعد جزء من الراحة – أخبرته استغرب بادئ الأمر ولكنّه استطرد قائلاً:
- ولِم لا. ربما الزواج سيصلحه ويجعله يعرف الدنيا ويغير نمط حياته، بلّغيه أنّي موافق ولكن بشرط.
- ما هو؟.
- موافقته على العمل معي.
هنا زالت دهشتها من موافقته السريعة. استوعبت فكرته في استغلال الموضوع وإجبار سالم على ما لم يكن يبالي به. حملت الأم الخبر لسالم وهي تُحدّث نفسها كيف تتحاشى غضبه وردة فعله على شرط والده واستغلاله للموقف، ما إن أكملت – بعد تردد - الخبر الذي تنقله، حتى ظهرت نواجذه. وأذهلتها موافقته السريعة والممزوجة بالفرح. نسي نفسه تركها واقفة لم تطبق شفتيها. ارتمى على الهاتف واتصل بـ (نورا) أخبرها بموافقة أهله، صرخت أمه التي عبثت بعقلها مفاجآت هذا اليوم، وحيرتها بين التعجب والفرح:
- لم تعلمني من هي البنت التي ستأخذك مني؟
- إنها بنت جميلة و و و...
تلقت الخبر بنصف الفرح، النصف الآخر مختزل في موقف أهلها، وفي مدى الجرأة في انتزاع الموافقة دون إجبار على الإقرار فالمهمة أصعب. كيف ستقنع أهلها وهي تعلم أنّهم لا يزالون يعاملونها معاملة تلميذة وعليها.. وعليها.... ولكن الأبناء – بالغريزة - يعلمون أن عاطفة الأم هي المدخل الأنجع لأي عويص، وتأسيسًا على ذلك تجرّأت نورا وحكت مع والدتها مبلّغة إيّاها أنّ شابّا ممتازَ الأخلاق، جيدَ المستوى، حسنَ الحسب يريد أن يتقدم لها. دونما تفكير صرخت في وجهها:
- تفكرين في الزواج، أين عقلك؟ أنت لم تكملي دراستك بعد، ولم تتعلمي شئون البيت بعد، ولم... ولم... ولم...، اطردي الفكرة من رأسك.
- أمي أرجوك أن توافقي أرجوك.
- غيِّري الموضوع واطرديه من رأسك.
تركتها وغادرت المكان، لحقت بها نورا في المطبخ وهي تدرك أن لا سبيل لها إلا العزف على وتر العاطفة. بكت بين يديها وتجرّأت ثانية وأخبرتها أنّها تحبه ولا تريده أن يضيع منها ردت الأم على دموع ابنتها مع تغير في لهجة الخطاب:
- يا ابنتي أنا أعْرَفُ منك وأخاف عليك.
- أمي لا تجعلي خوفك يقف في طريق مستقبلي.
تنهدت الأم ووعدت أن تحدث أباها. قفزت إلى حضن أمها وهي تدري أن الآتي أصعب. وقد كان. ما إن أخبرته حتى اشتاط غضبًا:
- هل جنّت البنت؟ وأنتِ كان من المفروض أن تحسمي الأمر من عندك.
- حاولت؛ ولكنّها (قاطعها).
- لكنّها ماذا؟ أحضريها لي .
- لا لا سأعلمها برأيك.
نقلت الرفض القاطع – وهي حائرة بين الواجب والعاطفة – فلم تتمالك نورا نفسها وجاشت بالبكاء فهي وحدها تعلم ما سيترتب على هذا الرفض، فكّرت أن تطلعها على الحقيقة المؤلمة، لكن أرجأت ذلك للحظة الأخيرة، وأقنعت أمّها بأن لها حظوة عند أبيها وعليها أن تستغلها في التأثير عليه. عادت الأم وفتحت الموضوع مجددًا مع زوجها، انفعل لذلك:
- عليك وعليها أن تنسيا هذا الموضوع، وأدار وجهه عنها لكنّها كرّرت المحاولة وبشيء من الدبلوماسية الأنثوية، وشيء من التذكير بالعشرة الطويلة بينهما، ومكانتها عنده، وبأنها أم، استطاعت أن تُليّن موقفه، وحاول أن يخبرها أسباب رفضه لكنها قاطعته:
- أعرف من حبك لنا وحرصك علينا، لكن أرجو أن تستمع لرأيي: أرى أن نوافق على خطوبة فقط، بذلك لا يخرج الأمر عن سيطرتنا.
صمتَ واستند إلى الكرسي. رفع رأسه إلى أعلى. وضع يديه على وجهه ثم أخرج زفرة وقال: سأعمل برأيك.
طارت الأم بالخبر السعيد، ظنّا منها أنها قد أمسكت السعادة من أذنيها ووضعتها تحت وسادة ابنتها. أبلغتها بسرور الموفق نبأ موافقة أبيها. ما إن نطقت أمها بالموافقة حتى صرخت فرحًا وانطلق لسانها – كجرس هاتف سالم.
– احبك يا أمي أحبك أحبك.
أكملت الأم:
- لقد أقنعته بعد جهد كبير واتفقنا على فترة خطوبة.
وفي أقل من هنيهة تبدل الحال فهذا ليس المطلوب إن هذه الموافقة ناقصة؛ إنها لن تفي بالغرض، ولا تجعل ما حرصت على إخفائه في طي الخفية. تعطلت لغة الكلام، ولكن ليس كالتعطل الأول؛ فشتان شتان بين الاثنين.
- ماذا يا ابنتي ألم تكن غايتك ألا تفقديه؟ لم تُجب نورا. وإن أجابت فبماذا تجيب؟ ليس أمامها خيار. أدركت أن إطلاع أهلها على الأمر أهون من إطلاع الآخرين عليه. لا مناص من البوح بالسر على الرغم مما فيه من مرارة، وما يحمل من ألم، وما له من عواقب؛ لكنها بين أمرين أحلاهما مر: اسمعي يا أمي بصراحة الأمر أكبر من موضوع زواج، تسمّرت كل جوارح الأم قبل أن تكمل ابنتها اعتراف الألم . وقعت مكانها، فقد تبين لها – بحكم المعرفة والإحساس – ما كانت ابنتها تداريه، انكبت الفاعلة عليها لترفعها، لكنها ظلت على حالها لفترة أفاقت بعدها منهارة لا تدري ما تقول بل لا تدري ماذا تفعل؟
عاد الأب وفي جعبته أن يخبر زوجته أن تخبر ابنته أن أباها يريد معرفة اسم وعنوان عائلة صهره المنتظر كي يرسل إليهم للاتفاق على يوم لإعلان الخطوبة، لكنه وجد البيت الذي توقع أن يجده يموج فرحًا؛ حزينًا كئيبًا، وزوجته ملقاة على السرير كأنها قد علمت أباها. المطبخ لا حياة فيه بالرغم من أن موعد الغداء بعد ساعة، ونورا التي لم يحن موعد عودتها من المدرسة موجودة في البيت، والسكون هو الوحيد الذي له نبض، دارت في رأسه كل الهواجس، ومرت أمام عينيه أعظم المصائب، إلا المصيبة التي حلّت به فعلا وجعلت حال بيته كما رأى، وكما سيرى. توجه تلقاء زوجته . وقف عند رأسها وسألها:
- ما الخطب؟ ولم يدر أن رحى كل الهواجس تدور في رأسها، كرّر، لم ترد عليه، نهرها ففاضت عيناها بالدموع؛ زادت قلقه، ألحّ على معرفة المصاب، فانفجرت تغذيها الحسرة:
- ابنتك.
- ما بها؟
- ابنتك.
- ماذا جرى لها؟
بصوت طغى البكاء عليه:
- ابنتك حامل.
صَمَتَ ونطقت عيناه! تجلّد وفضحته قسمات وجهه، اندفع صوب الباب. تعلّقت به. شدّ ثيابه. تعلّقت به وتوسّلت إليه أن يسمعها؛ فتمهل، قالت:
- فكّر فينا، فكّر في مركزك الاجتماعي، في مدى قدرتي على مقابلة جاراتي أو قريباتي، هنا انتبه وسألها: أهُو. أوْمَأت برأْسها نيابة عن نعم.
قال بعنف الجريح: أريد معرفة أهله.
قبل العصر كان عند أبي سالم في موقع عمله الذي استدل عليه من أحد جيرانه، وجده يربط أسلاك حديد السطح. طلب منه أن ينزل كي يكلمه. سلّم عليه سلامًا حادّا جافيًا، وقال له:
- أريدك على انفراد.
لحق به ولم يتكلم من الدهشة. بادره:
- عليك أن ترغم ابنك أن يصلح غلطته.
- أي غلطة؟
- لا أعرف. ما أعرفه هو أنه يجب وبأي شكل أن يصلح غلطته.
- أي غلطه تريده أن يصلح إذا كان لم يصلح نفسه؟!
- أنت قلتها هو غير صالح. ابنك يا سيد ضحك على ابنتي.
- المعاكسات والوعود كثيرًا ما يفعلها شباب اليوم، وإن كان قد وعدها بالزواج فأخبرك أنه لا يملك حتى السكن المستقل. أنا أعتذر بالنيابة عنه، ومن حقك أن تخاف على ابنتك من العبث.
- وأي عبث تريد بعدما هتك عرضها!
أذهل النبأ والد سالم. تلعثم في الكلام. كان يظن أن الأمر غير ذلك. تمالك نفسه وقال محاولاً إيجاد فرصة للدفاع، والظن الأقرب كيلا يبتلع الحقيقة جرعة واحدة:
- صحيح أن لابني سلبيات كثيرة لكن لا أعتقد أنها تصل لهذه الدرجة.
- بل وصلت. وعليه أن يتحمل مسئولية ما اقترف.
هنا ربط والد سالم الأحداث. إصرار ابنه على الزواج وبلهفة، وموافقته دون تردد على شرطه الذي طالما رفضه. أخفى هذه الأمور على محدثه ولم يُبدها له، ووعده بالسعي في جبر الكسر – الذي لن يجبر – إن كان الأمر كما يقول. وكما بدأ النقاش سريعًا ومختصرًا كان تفرقهما.
وعندما قفل إلى بيته وفاتح زوجته فيما أخبر به لم يحدث الحديث مفاجأة لها، لأنها كانت تحس أن سرّا ما وراء التحولات التي طرأت على ابنها منذ اليوم إيّاه، وتعرف أن الخطب ليس عاديّا، ومع ذلك وبعاطفة الأمومة التي تعمى عن الخطأ في الغالب، حاولت تبرئة ابنها، هذه البراءة التي ذهبت أدراج الرياح، ونكصت على صاحبتها باعتراف سالم بجرمه.
هذا الاعتراف فرض على والده أن يذهب لوالد نورا مكبلاً بفعلة ابنه ليعرف منه ماذا يريد، وما إن أقرّ له، وأخبره بسبب مجيئه، حتى بادره:
- ألا تعرف ما ينبغي عمله.
- بلى؛ ولكن كيف؟
- يعقد عليها فورًا.
- ولكن كيف وهي..؟ أليس هذا مخالفا للشرع؟
- أنتم تتكلمون عن الشرف. ثم ما يهمني هو مركزي وسمعة العائلة، ومواراة الفضيحة. ثم أليس العرف في هذه المدينة يُوافق على ذلك، ويضع أهلها الشرع وأحكامه على جنب في مثل هذه المسائل؟
- وهل هناك من يعقد لنا؟
- هناك. ابحث عنه ستجده ولكن عليك أن تعرف كيف تجعله يكتم السر إن اضطررت لإطلاعه على الحقيقة.
بعد يومين من اللقاء الأخير كانت الأكف ترفع، والألسن تنطق: آمين... وبعد عشرة أيام زُفَّا لبعضها على أصوات زغاريد الأقارب والجيران الذين لا يدركون الحقيقة. ومع انقضاء الشهر السادس بعد الأيام العشرة استهلت (سهام) الحياة بصرخة متقطعة، وحركة دءوبة كحركة طائر السنونو قبيل المطر.





يتبع


عدل سابقا من قبل متابعات في 05.02.11 21:41 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:18

2

لولا..
ثمرة جميلة في منبت سوء كانت سهام، فلم تمض سنة حتى دبت الخلافات بين من يسميان مجازًا أبويها. أُجبر الأهل على التدخل أكثر من مرة، ولكن بطلان القواعد يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى انهيار السقف. انهار البنيان المؤسس على جرف هار من العبث والخطيئة. الطلاق كان نهاية عقد يعرف المتعاقدون أنه باطل قبل توقيعه. لا يمكن للخطأ أن يحجب الصواب إلى الأبد. لا بد لأشعة الشمس أن تنفذ ولو من شق في الجدار، فأشعة الشمس حتمًا تعيد الخفافيش إلى كهوفها. لم تنجح نورا في تحاشي الانفصال وضمان الاتصال بينها وبين سالم لمعرفتها بموقف أهلها منها وبأي عين سينظرون إليها. أجبرتها إهاناته المتكررة، ولامبالاته بشعورها، وتهوره المقزز، واستغلاله لوضعها على الانفصال، لم تسعفها القدرة على تحمل سوء معاملته. لم تنجح في الحفاظ على بيتها المبني من أعواد الثقاب المطفأة، فعادت أدراجها تحمل نفسًا كسيرةً وتتلحف وزرها، جرحها ينزف، وكبرياؤها محطمة. رد فعلها الوحيد نذر تعهدت لنفسها أن تحققه وهو منعه من الاتصال بابنته أو حتى مجرد رؤيتها.
وعاشت سهام في بيت جدها لأمها بعد أن فقدت حقها الطبيعي في العيش في المكان الطبيعي. إن فراق أبويها وزر لم تساهم فيه بشيء ولكنها مجبرة على حمله.
شبت سهام، جميلة كزهر التين الشوكي. حاضرة في الكون كالنجوم، حضورها ذو مذاق مميز كمذاق نكهة القهوة في مساء شاعر. الأدب زينتها، والخلق النبيل شيمتها، وقد حباها الله بذكاء خارق ولباقة في حسن التعامل مع الآخرين. أخذت تزداد جمالا مع ازدياد سني عمرها، كالوردة كل يوم يمر عليها يمدد لها في تفتحها وانبلاجها، ويزيد عبيرها تضوعًا؛ فالسنة الحادية عشرة سلمتها للسنة الثانية عشرة والثانية عشرة أوصت بها الثالثة عشرة خيرًا والثالثة عشرة أمَّنت عليها الرابعة عشرة والرابعة عشرة استودعتها عند الخامسة عشرة.. وكَمُّ الجمال صاحبه كَمُّ الإعجاب، وناظرهما حرص وصون للنفس والسمعة من جانبها، فكانت تتعامل مع الغير في نطاق الحدود المسموح بها، لا تتعدى النهج الذي رسمته لحياة شريفة وكل من يحاول طرق بابها، إن رأت فيه صلاحًا توجهه صوب باب والدتها (ولي أمرها) الذي تعرفه.
الكل يتودد إليها سعيًا وراء جمالها، صغارًا وكبارًا، حتى أصحاب المحال التجارية يلقون عبارات الغزل في طريقها، وعندما تطالب الواحد منهم بالتقدم لغايته رسميّا، وفق ما شرّع الله يقول: بودي ذلك لولا... يتكرر معها هذا الأسلوب باستمرار، حتى الشاب الذي أحبته من نفس الحي، عندما طالبته ليتقدم لخطبتها قالها: قلبي يريد ذلك لولا... ما هذه اللولا؟ (قالت في نفسها) وتناسته وتناست الأمر.
أوصلها ذكاؤها إلى الدراسة الجامعية. تمثلت فيها صفات الطالب الجامعي التي أصبحت نادرة الوجود. الفصل الدراسي كان سببًا في نشوء علاقة حميمة بينها وبين (هبة) وقد جمعت الصفات المشتركة - التي تكاد تطابق النسخ – بينهما. لم تكن سهام تركن لسواها فهي الوحيدة التي كانت تشاطرها آلامها وتستمع إليها حين تبث شكواها من سوء نظرة الآخرين لها. كانت هبة الفتاة الخلوقة الجميلة المتزنة ذات العينين الخضراوين مثل ورق عشبة الشكروان، والوجه الصافي كبقية ماء المطر على الصفواء، والأنف الذي تشبه مقدمته حبة الكرز. يكسو كل هذا شعر أطول من ليلة بلا عشاء، وأسود من حياة المدين، وجسم وسط في كل شيء ما عدا الطول فهو أكثر من الوسط قليلاً. جادة في أسلوبها سهلة المعاشرة إن تيقنت من صدق النوايا، محبة للعلم صلبة في رأيها، وفية لخلانها. لقد أكسبتها هذه الصفات حب والديها وحب الجميع، ولكنها فرضت الحذر في الاقتراب منها، والتفكير أكثر من مرة، وبأكثر من أسلوب قبل الخوض في أي حديث معها، ولاسيما الأحاديث ذات الحساسية. كانت وحدها مصدر ثقة سهام، والوحيدة التي تتبادل معها الأحاديث الخاصة. يقضيان أوقات الفراغ بين المحاضرات متلازمتين تحت شجيرات الجامعة أو في قاعة المكتبة الجامعية. هبة في المقابل تحكي لها كل أسرارها . وكان أكثرها مفاجأة لها سر علاقتها بـ (أحمد) موظف المكتبة الهادئ الوسيم. لقد تفاجأت سهام حقّا لأنها تعرف هبة لا تقيم علاقات مع أحد من الشباب. سألتها ما هذا التحول؟
- ألم تكن عيناك صوامتين عن النظر إلى أعين الآخرين والحكم عليهم بأنهم جميعًا طائشون؟ علت ابتسامة عريضة وجهها وأجابت بنصف تنهيدة:
- إنه يختلف عن الجميع.
- احكي لي عنه. بل عن قصتكما، لعلِّي – بل بكل تأكيد – سأجد فيها العزاء لحالي فأنتِ تعرفين كم يسعدني كل أمر طيب يخصك. احكِي. تبسمت هبة ثم قالت:
- دخلتُ المكتبة ذات يوم، وكان وقتي ضيقًا جدّا بسبب ضغط المحاضرات وتكثيف أوراق العمل، وكنت أبحث عن كتاب أستعين به كمرجع لورقة العمل التي أعدها. كنت أبحث بقلق. يبدو أنه كان يراقب تصرفاتي من وراء مكتبه المقابل للأرفف التي أبحث فيها. تقدَّم مني بلطف بالغ وقال:
- بإمكاني مساعدتك. عن أي كتاب تبحثين؟
- قلت دون شعور: كتاب مهم لورقة العمل.
- قال: أعرف أنك تبحثين عن كتاب. ما اسمه؟ وما اسم مؤلفه؟
- قلت: كتاب الأسطورة في الشعر لأنس داوود وفي أقل من دقيقة كان يناولني الكتاب. نظرت إليه ثم مددت يدي وتناولت الكتاب. حدث هذا في زمن لا يزيد عن نصف دقيقة لكن انطباعي الداخلي يؤكد لي أنه لا يحمل في نفسه غرضًا غير المساعدة.
قالت سهام:
- في اليوم التالي جئت تبحثين عن كتاب الغزل عند عمر بن أبي ربيعة.
- إن استمرتِ في التعليق أتوقف عن الحكي.
- إني أمازحك.
- بعد أيام دخلت المكتبة وبدأت البحث خاطبني:
- إن كل الكتب التي تتحدث عن التراث في الأدب عمومًا وضعتها لكِ في الرف الثالث على اليمين. كان يلفظ الكلمات باحترام بالغ وحياء ظاهر. توجهت إلى المكان وشرعت أقلب الصفحات. لم أرفع عيني. لكن إحساسي أكد لي أنه كان ينظر لي باهتمام كاهتمامك الآن بما أقول.
تطفل إحداهن قطع الحديث. أخذ الحديث منحًى آخر سرق الوقت المتبقي عن زمن المحاضرة.
وفي الجامعة تعرفت سهام على زميل لها في من خارج القسم ومن خارج بلدتها، تبادلا الارتياح والإعجاب ومن ثم الحب، وبعد فترة أخبرته أنّها ترغب في إضفاء صفة الشرعية على علاقتهما، وبحكم تقاليد بيئته رحب بالعرض، وتعهد بأن يضع الأمر بين يدي والديه لنيل موافقتهما. بالفعل أخبر والدته- التي أخبرت والده - برغبته في الارتباط بمن اختارها قلبه، فأرجأه إلى أن يتمكنا من الحصول على معلومات عن البنت وعن أهلها، وبعد أيام أخبرته أمه بما لا يحب ولا يتوقع، برفض والده، وعندما سأل عن السبب أخبرته على مضض أنها ابنة غير شرعية. ابنة زنا، ابنة زنا؟ ردَّد في رأسه. قابلها بعد طول تهرب من ملاقاتها، وكان قد تأكد مما أعلمته به والدته، وبعد سلام حار منها، وفاتر منه، سألته عن سبب هذا الانقطاع في حين أنها كانت تنتظر قدوم أهله، أجابها بالهدوء الذي يسبق العاصفة:
- اسمعي يا سهام أنت بنت جميلة وذكية وطيبة وكل واحد يتمنى الارتباط بك لولا...
لم يدهشها شيء من كلامه كله إلا لولا هذه قالت:
- لعنة الله على لولا.. التي صارت تطاردني في كل مكان حتى أنت وصلت إليك. لابد أن أعرف سرها، لماذا لولا في كل زمان ومكان؟ لماذا؟ لماذا؟
فرد عليها بما حول دهشتها إلى حيرة:
- اسألي أمك.
إجابة جعلت الهواجس جميعها تدور رحاها في رأسها عدا ما هو واقع فعلا "أنها ابنة زنا" غادرته تحت إكراه دموع – غصبًا عنهًا – انحدرت إلى مجراها.
عادت إلى سكناها هائمة على وجهها يدفعها قلق عارم ورغبة جامحة لمعرفة ما وراء لولا. دخلت وعلى الفور توجهت تلقاء والدتها لتسألها سؤال الملهوف، لهفة الهيم العطشى للماء، و تطالبها بأن تفسر لها سر ما يحدث معها، قالت: وما الذي يحدث معك يا بنتي؟ كلما يسعى أحدهم للتقرب مني وأطالبه أن يتقدم بصورة رسمية يقول: بودي ذلك لولا. أريد أن أعرف ما هذه اللولا التي أجدها حيثما حللت؟. تنهدت الأم، واغرورقت عيناها بالدموع وقالت: آه يا بنتي. ثم استوقفت لسانها للحظات، وأطلقت العنان لحديث النفس الموءودة: ما أجهل الإنسان بنفسه. أقرب اثنين وأكثر اثنين لا يعرفان كيف يصون كل منهما الآخر. نفس المرء معلقة بفعاله. وفعاله غير محسوبة. لا يلقي بالاً لصغائر الأمور حسب ظنه. اللحظات العابرة يعاملها كورقة يطويها ويرمي بها في متن حقيبة غير مستعملة مخزنة في خزانة الملابس المهملة. يظن أن كل شيء أمكن إخفاؤه عن الأنظار يبقى أبدًا كذلك. النزوة لا يراها شيئًا ذا تأثير لأنها لم تأخذ من مساحة الزمن إلا النزق اليسير. أو كثانية من دقيقة، أو دقيقة من ساعة، أو ساعة من دهر. يتغافل عن أن الطوفان يبتلع في ساعة ما كُوِّن في قرن. والروح تنزع في ثانية. يعتقد أن كلَّ شيء سيسير وفق ما رأى هو وكما أراد. يرى أن رؤى الآخرين عبث بأفكاره وتدخل سافر في شأنه الفعلي. وأن التغير رهن بهواه لا هوى الأيام. أنانيته تقوض بصيرته فهو لا يرى في وقته الآني أن فعله قد يؤثر في غيره. يجهل أن فعلاً طائشًا هينًا قد ينغص العيش عمرًا بأكمله، ولا يدرك أن خرقًا كثقب إبرة في سفينة يغرقها. ولا يعلم أن قطع عرق من شجرة قد يميتها. دائمًا يرى أن الأشياء لا تتبدل إلا بعد استشارته ومحاورته في الآتي، وهو لا يقيم وزنًا لمساحة الفكر الممددة في فضاء العقل. وربما يسبق المنطق في طرقه للأفعال. تزين له ذاتيته طعم النجاح المطبوخ في قدرٍ من حنظل. فيرى تبوء الصدارة على حساب المبدأ والكرامة كسبًا. والكسب على حساب العافية ربحًا... أسقطت دموعًا حارقة من عينيها مسحتها بيدٍ ترتعش. ارتشفت ريقها... تأنت برهة فكّرت فيها بأن تحجب عنها الحقيقة، ولكنها تراجعت، فلا ينبغي لها أن تضيف جناية أخرى على جنايتها الأولى. قالت بتلعثم وتردد: لولا هذه ليست لولاك. إنها لولا اثنين أنكرا كل حس بالمسئولية، وتجاهلا مع سبق الإصرار والإمعان في الوزر كل تجن على حق الآخرين في العيش بشرف. إنها لولا امرأة سلمت للشيطان قيادها وهي تدرك أن الشيطان لن يكون ناصحًا أبدًا لابن آدم، وإلا يخل بوعده الذي قطعه على نفسه. فلولا الطيش وسوء الخلق ما كانت لولا. لولا هذه البويضة القذرة الفاسدة لكنت أنت من يشترط ما يريد على الآخرين عكس ما يجري الآن. يا بنتي الحقيقة المرة التي لابد من كشفها؛ أنك ابنة لحظة ضعف أمام الرغبة والشهوة، ابنة غياب العقل وتسلط العاطفة، ابنة لحظة تفريط في الشرف، ولا مبالاة بالعرض وسمعة الأهل والذات. أنك ابنة نزوة. أخرجتها وكأنها تخرج جلمودًا من حلقها. تقيأت السّر النتن وجاشت بالبكاء، كما جاشت سهام في الصمت والصدمة، لا تدري ماذا تقول؟ وكيف تقول؟ فمن الحزن لم تجد عيناها للدمع طريقًا، وظلَّ قلبها كظيمًا.
بقيت أيامًا على هذه الحالة، تخاطب نفسها بين الفينة والأخرى ابنة زنا؛ أي ابنة حرام، أنا المعتدّة بنفسي، الراغبة عمن يرغبني، الساعية لفرض أسلوبي على الآخرين. اعتدادي كان طيشًا وغرورًا، بل هباء منثورًا. ابنة غير شرعية. الآن أدركت أنهم على حق أنا مضغة تافهة غير صالحة للحياة. انزواء من أسعى للارتباط به سببه تفكيره فيمن بعده. كيف لعاقل أن يدخل على أسرته قطعة من نجاسة. الدموع كانت تتدفق من عينيها ونحيبها يظهر في شهيقها وزفيرها المتقطعين. مسكينة سهام. لم يشفع لها عند البشر جمالها، ولا أخلاقها، ولا ذكاؤها، وتيقنت أنها تحمل وزرًا لم تقترفه، لم تعش لحظاته، كان قبل أن ترى النور. وزر رجل وامرأة صارا يسميان مجازًا أبًا وأمّا.
أخذت تذبل مع الأيام كأوراق شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وطفق بريقها يخفت كمصباح نضب زاده، ازدادت حياتها بؤسًا وشقاءً، حاولت أن تخرج للحياة من جديد، لكنّها لاقت صعوبة جمة في ذلك مما جعلها عاجزة على مكافحة أحزانها. كانت ترى أن الكل لا يرغبها إلا كقطعة ذهبية تزين صدرًا، أو تحفةً في مدخل، ليس أكثر من ذلك، وأن الجميع يتهامسون عليها، وينعتونها فيما بينهم بابنة الحرام، ويرون أن هذه الصفة تيسر عليهم صيدها كما اصطيدت أمها من قبل.
افتقدتها هبة فقامت بزيارتها في البيت وجدتها في حالة يأس، وقد تحطمت إرادتها في الحياة تحت قدميها. سألتها. ألحت عليها. استحلفتها أن تشركها حزنها. أخبرتها على مضض. تألمت هبة لحالها كثيرًا. أخذت تواسيها بكلمات تنم عن عقل وحكمة. قالت لها: لا يمكن إعادة الماء المسكوب في الرمل، وليس بمقدور المرء أن يحمل أوزار الآخرين عن طيب خاطر، وفي نفس الوقت لا يمكنه أن يغير مجرى القدر، لكن بإمكان الآخرين مراعاة ذلك إن أرادوا، (تبقى المعضلة في هذه الإرادة). لقد خففت كلماتها آلام (سهام) لكن لم تزلها. ولم تغير وجهة قدمها عن درب القنوط.
اعشوشبت كل الأفكار السيئة في نفسها، وامتلكت مشاعرها، وأحكم اليأس قبضته على زمام تفكيرها، وفي غفلة من العقل، وتضعضع في الإيمان قررت الخلاص من معاناتها بالانتحار، وبعد تفكير قصير حددت مكان التنفيذ، شجرات بجوار الحي الذي عاشت فيه، فهي تتذكر هذه الأشجار تذكرها لطفولتها التي لم تعد تعني لها شيئًا، أعدت عدتها وتسللت متسترة بخيوط الغسق متجهة إلى المكان المراد، وعندما اقتربت من المكان المقصود للغاية المقصودة، وهي وضع حد لحياتها البائسة بعد أن تلاشت كلّ آمالها. في طريقها إلى المكان تذكرت كلمات هبة. وتذكرت كلمات أمها المعجونة بالندم والمرارة. تذكرت أن الإنسان خلق ضعيفًا. وأدركت أن فعلتها لن تلغي وزرًا بل تزيد الأوزار. بقية من عقل راجح أزاحت أرتالاً من القنوط أرجعتها بعض الشيء إلى وعيها؛ فالواحد أحيانًا تسوقه الهموم والانفعالات للتفكير فيما لا يريد. وحصر انشغالاته فيما لا ينوي فعله حقيقة. واسترجعت حتمية قبول المرء لحقيقة هبوب الرياح الأربع. عليها أن تعيش الحياة كما قُدِّرت، وهي على يقين بأنه من العسير عليها أن تتذوق طعم العسل على سن خنجر. ومن العسير أن تجد نفسها مرغمة على الأسف على شيء لم تفعله. عادت إلى بيتها وغلَّقت عليها باب غرفتها. وغطَّت في حزن عميق...


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:20

3


الجريئة
عام ونصف وأكثر حاول فيها الأهل توجيه النصح والتنبيه لابنهما إلى أن هذا الارتباط لن يكون حميدًا إذا اكتشف أحدهما خطأ في الآخر لم تمنحه الرغبة في الارتباط فرصة اكتشافه أو حتى مجرد الالتفات لمن ينبئ به، فالتعلق يناصر البصر على البصيرة ويشلّ إرادتها. في هذه الفترة كان والده يستعلم بدوره عن الفتاة التي ستحل عضوًا جديدًا على أسرته التي طالما اجتهد في الحفاظ على سيرتها الطيبة، وصفحتها الناصعة، وتأكد له أنها ذات خلق رفيع، وتتمتع بتفكير ناضج كما أخبرت إحدى الجارات زوجته. محبة للآخرين نابعة من عاطفة فياضة قد تكون الحالة التي عاشتها سببًا في تكوينها... هذه الصفات الطيبة في الفتاة التي عرفت عنها من خلال شهود الحق (الجيران والأصدقاء) ممن تربطهم علاقات رحم وصداقة بعائلة الفتاة؛ جعلت الأب يعلن موافقته ويحدد موعدًا للخطبة.
كان يومًا مشهودًا له بالسرور والحبور، شمسه الفرح، ونسيمه البهجة، وزاده الأمل في المستقبل. في هدا اليوم وضع الأبوان حجر أساس أسرة جديدة. تعالت زغاريد الأُمَّين والأخوات والجارات والقريبات، وتناثرت في الهواء قطع الحلوى المغلفة بالشوكولا، وتعاقبت كئوس العصائر المختلفة اللون والمذاق. صدحت حناجر النسوة بالزغاريد، وكانت درجة الصوت أعلى فقد تسرب خبر – طلب مسربه عدم ذكر اسمه – يقول: إن موعد الزفاف قد حدد بعد واحدٍ وعشرين يومًا.
مضت الأيام بطيئة وسريعة، فتجهيزات الفرح تحتاج إلى عمل متواصل وجهد مضاعف. المساحة الزمنية التي حددت، قليلة بالنسبة لحجم المناسبة، ولكن اتفاق الجارات على تولي كل واحدة مهمة محددة، أو توفير مادة معينة يسهل الأمر كثيرًا على أهل المناسبة، ويخفف العبء الكبير الذي تفرضه العادات والتقاليد. في الجانب الآخر يقف العاشقان يعدان الثواني. الشوق جعل اليوم الواحد كجبل الريان، ولكن الصبر يخبرهم: بأن لذة الوصول إلى قمة الجبل تكمن في تحمل مشقة التسلق؛ فلذة اللقاء رهن بمقدار الشوق.
الجميع في غمرة الشوق والتوهج والاستعداد ليوم التاسع والعشرين من أغسطس، ولكن إبراهيم غارق في قلقه، يصارع الهواجس والظنون؛ فعند عودته إلى بيته ليخبر زوجته بالأحداث المفرحة، ولكي يستعدا ويلحقا بركب الفرح، لم يجدها، لم يصدق أنها ليست في البيت، بحث في كل أرجائه: في المطبخ، في غرفة النوم، في الصالون، في دورات المياه، في الردهة، لكنه لم يجدها، جلس على كرسي، ثم على الثاني. وقف. تحرَّك إلى الباب فتحه ثم أغلقه بعنف. عاد وجلس على الطاولة. عض أنامله. جلس مجبرًا كي ينتظر مقدمها.
... انتظرها فلم تأت ِ
انتظرها طويلا لم تأت
طفقت نفسه تحدثه بأشياء...
لم يبال ِ بها، كررت الإيحاء، حركت غيرته فالتفت إليها.
قالت:
- لابد أنها خانت العشرة.
- قال: قبحك الله إنها ثلاث عشرة سنة لم يعكر ودها إلا الحرمان من الولد وهذا ليس بيدها. لم تغادر فيها البيت إلا بإذن، حتى إلى الجيران، حتى أهلها لم تزرهم بغير علمي.
- أنت لا تعرف النساء.
- ولكني أعرفها.
- في الثلاث عشرة سنة الماضية.
- هل يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ هل تتغير طباع البشر من... إلى... في لحظة. لا لا يمكن إني أثق بها، لكن لِمَ لا، ربما. كل شيء تغير، كما أنها ابنة خالة نورا والدة سهام، وأن العرق دسَّاس: آه. صرت مشوشًا لا أستطيع أن أفكر، أنا في حيرة. أخرجته رنتان من جرس الباب من شروده. توجه نحو الباب تدفعه حمى الغضب بعد أن خذله حلمه. جذب الباب بقوة فانفلت من يده اصطدم بالجدار حتى أسقط قطعة من الطلاء. لم يهتم لحال الباب ولا للكدمة التي أصابت مقدم إبهامه. صدمته بمن وراء الباب أكبر، ما إن انفتح الباب حتى كان مع نورا وابنتها سهام وجهًا لوجه. عوجتا على بيت (زينب) في طريق عودتهما من السوق ليسلما عليها. لم يمنحها فرصة إلقاء السلام. فنظرات عينيه وتشنج عضلات وجهه أخرست لسانها. تعرف سلفًا أنه لا يطيقها ولا يرتاح لزياراتها النادرة أصلاً. لكن زيارتها اليوم تختلف عن سابقتها؛ فالنفس البشرية رهن بالمواقف.. قلةٌ الأقوياء الذين يتمالكون ردود أفعالهم عند الغضب، إبراهيم ليس منهم. انفجر في وجهها بعد احتكاك الشكوك والوساوس بالرابط العرقي بينها وبين زوجه. نورا شائبة تعلق بها وتكدر صفو عفافها في نظره كلما يراها وبخاصة في بيته. كان حضور العقل يحجمه عن التصريح بما في جوفه أمَّا الآن وقد غيبت الأحداث عقله فلم يعد هناك ما يعقل لسانه. غياب العقل يجسر المرء على خلع وقاره، وفعل ما يخجل الصبية من الإقدام عليه. يخرجك من صفة الناطق إلى صفة الأعجم. ينزع عنك ثوب الحياء فيذرك كالشجرة بغير لحاء. قال بصوت النافر: ألا يكفي ما أنا فيه. أكان لابد أن تأتي في هذه اللحظة لتؤججي نار الشك والغيرة في نفسي لتحرقي بقية الثقة التي تحفظ اتزاني؟ رؤيتك تجعلني ألعن الجمال ألف مرة، فما أكثر ما يخدع ذا البصيرة. فكم من جميلٍ العفنُ منبته. ألم تدركي بعد أني لا أطيق رؤيتك في بيتي، لا أريدك أن تدنسي الطهر الذي يحويه. أنت كطير البوم. هل من عاقل يقبل أن يستقبل البوم؟ أنت وأمثالك من ضيعن الشرف والعفاف، وأغوين الطهر حتى خر مكبّا في مستنقع الرذيلة. ألم تفهمي من معاملتي لك أني أنبذك وأتطير من علاقتك بزوجي واليوم تكثف تطيري فاغربي عن وجهي. لم تنبس بكلمة. عيناها نطقتا بالإنابة، ليس كلامًا بل دموعًا بللت الأرض تحت قدميها. لم تُمَكَّن من الدفاع عن نفسها وترد إهاناته، وبِمَ ترد وهي كسيرة الشرف ذليلة النفس. التفريط في العرض مهانة لا تزول حتى ينزع الحرير من السدر دون تمزُّق. وصمة تلاحق صاحبها حتى في القبر. لا شيء يوازي العرض. لا قدر يثمنه. لا أسَّ يطبب كسره. هول الموقف لم يمنحها فرصة التفكير في الانسحاب والتخفيف من جرعة الهوان. سهام الأخرى لا تقف على قدمين؛ إنما ألوح صمَّاء. قلبها يرتعش. عيناها تدوران لا إراديّا. الجفنان شلت حركتهما. تمالكت نورا نفسها وسحبت بجهد قدميها الثقيلتين. لم تتبعها سهام، لقد تسمَّرت مكانها. عادت إليها لتسحبها من يدها فسقطت على صدرها. أغلق الباب وتركهما خارجه. تحاول أن ترفع سهام دون جدوى من قربهما مرَّ طارق بسيارته. استنجدت به نورا كي يوصلها إلى المستشفى. أوقف سيارته وفتح الباب لتتمكن من إجلاس ابنتها على الكرسي الخلفي. لم يتوجه بهما إلى المستشفى، عمد إلى عيادة صديق له. أشرف بنفسه على استدعاء الطبيب، ولمَّا كان الأمر يستدعي بقاءها تحت المراقبة للاطمئنان على نفسيتها المنهارة ولتكون تحت المراقبة خوفًا من تفاقم وضْعِهَا، وَضَعَهَا في غرفة خاصة. واستأذن لبعض شأنه مع وعد بعودة سريعة.
ما إن أغلق الباب بذات القوة التي فتحه بها وربما أكثر حتى عاد لقلقه وحيرته. يدور في صالة البيت. يجلس. يضرب يديه إحداهما بالأخرى. يفركهما. يتجه صوب الهاتف. يقف أمامه. يمد يده إلى السماعة. يتراجع عن الفعل. من أطلب؟ وما سأقول له؟ هل أسأله عن زوجي. أعصاب المعدة وجدت مناخها الملائم فزادت حدة توتره. لا إراديّا وجَّه كامل جسده وكل حواسه إلى الباب. سمع صوتًا يصدر عن مفتاح الباب. كانت تفتحه بسرعة واضطراب. أخذت عملية نزع المفتاح من القفل وقتًا إضافيّا سببه الإرباك. أغلقت الباب واستندت عليه بظهرها أفزعها صوته الحاد لم تكن تتوقع وجوده، توقعت أنها أنجزت بغيتها دون أن يعلم مغادرتها، لم ترد. فقدت القدرة على النطق. يزعق بنبرات حادة ووجه متجهم، ولسان متهكم:
- أين كنت يا بنت الحسب والنسب يا زوجة مصون؟
قالت بتلعثم وقد أذهلها تواجده في البيت: ستعرف.
- الآن لابد أن أعرف.
كررت قولها بما يشبه الاستجداء:
- أرجوك اصبر وستعرف.
- هل تطلبين مني أن أصبر؛ إلى متى، إلى أن يجرفني التيار!
أذهلتها الكلمة فقد جرحت مشاعرها أحست بمرارة لم تُبْدِها له وقالت بتجاهل:
- أي تيار تقصد؟
- أقصد ما أقصده وما يجب أن تفهميه.
- قالت بحسرة: سامحك الله.
قال في داخله: يبدو أن ما حدثتني به نفسي فيه جانب من الصحة، ثم شدها من رأسها وقال بغضب ظاهر: معك إلى صلاة ظهر يوم الاثنين القادم أفهم الموضوع وإلا اعتبري نفسك طالقًا. فرحت في داخلها بينما تركها هو وخرج مسرعًا.
تسارعت الأيام فسارعت وتيرة قلقها فالغد هو الموعد الذي حدده لها، وما كان فرحها إلا للمدة فهذه المدة أكثر قليلا من المدة التي تحتاج لإتمام موضوعها. بدأت الأحوال تسوء وارتفع أذان صلاة الظهر ليوم الاثنين، ارتفع معه قلبها من مكانه وانقبضت للحظة أنفاسها وتغير لونها، في الوقت الذي أكمل فيه استعداده للخروج للصلاة.
نظر إليها وهو يمسح يديه من الوضوء وقال:
- هل تحتاجين للتذكير بنهاية المهلة أم أذكرك؟
ازدادت غيظًا ولكنها ابتلعت ريقها ولم ترد. فقال:
- معك حتى عودتي من الصلاة، فإن لم يكن عندك ما تقولينه جهزي نفسك. وأخذ الباب خلفه.
عادت لحيرتها وتلاحقت عليها الدقائق وأخذ منها الخوف من الآتي مبلغه لدرجة أنه جعلها تدور داخل الصالة كالمجنونة، وتحدث نفسها بهواجس المجهول ولم تنتبه لجرس الهاتف الذي كانت تنتظره من شدة شرودها إلا بعد وقت. ارتمت عليه ورفعته بسرعة. ألو ألو عمي لقد تأخرت كثيرًا، هات ما عندك تغير حالها من الأخبار التي نقلها لها عمها، وصارت أكثر طمأنينة وأقل قلقًا. إذن أسرع بالمجيء فتأخرك يعني إفساد ما ضحيت لأجله. مع السلامة. نسيت أن تضع سماعة الهاتف مكانها، ومع دخوله انتبهت لحالها أرادت أن تضعها بسرعة الارتباك لم يمكنها من إنجاز العمل. نظر إليها نظرة شك أكدها قوله: أمرك مُريب. مع من كنت تتحدثين، أصابها ذهول شديد وصارت تنظر إليه والسماعة تتدلى من يدها دون شعور منها. رفع صوته في وجهها، إني لا أكلم الكراسي. ما أمرك؟ هيا أخبريني قبل أن ينزل بك ِغضبي.
انتبهت لنفسها وقالت:
- سأخبرك بما تريد. فقط امنحني بعض الوقت.
- ولمَ ليس الآن؟
- سيحدث، وأخذت تدور في الكلام وتختلق الإجابات كسبًا للوقت وتتمتم بينها وبين نفسها (لقد ورطتني يا عمي بتأخرك) وهو ينظر إليها بحنق ممزوج بتعجب، ولكن صبره نفد. قفز تجاهها ليجبرها على ما يشفي غليله لكن جرس الباب أنقذها منه فهرعت إليه وهي تدري أنه عمها. فتحت بسرعة، وعانقته عناق المستغيث وهمست بكلمات متتالية (لقد وأدت أعصابي). اتجه إلى صهره وسلّم عليه، ثم سأل عن أخباره وأحواله. فعاجله بقوله:
- إن أحوالي سيئة وأخباري لا تسر إلا العدو بسبب ابنة أخيك يا عمي.
- ماذا فعلت؟ ماذا فعلت؟!!!
- إن تصرفاتها مريبة لدرجة أنني (لا حول ولا قوة إلا بالله) وإن لم توضح لي الأمر فسيحدث ما لا تحمد عقباه.
تدخلت عن قصد:
- الغداء جاهز سأحضره حالا.
أجابها عمها:
- تفعلين فينا خيرًا.
أما هو فقال:
- لا، ليس قبل أن أعلم، وهي تعلم أني أقسمت وحددت مهلة تنتهي الآن و...
قاطعه عمها:
- ما دام الأمر كذلك اجلسي كي نخبره.
- اسمع يا بني: اعلم أن زوجتك أصيلة المعدن، نقية الشرف حريصة على عرضك ومالك؛ ولكنها عاشت معك ثلاث عشرة سنة - يعلم الله – أنها لم تشتك ِ منك يومًا إلا أنها لم تكن راضية على ما تسببه لك من حرمان الولد، وهي تعلم أن العيب ليس فيك، كما تعلم مدى حبك لها وتعلقك بها على الرغم من هذا الحرمان، وهي تقر بأنها لا تستطيع العيش بدونك، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تحمل تضحياتك من أجلها دون أن تبادل التضحية بالتضحية، وقد ألحت علي في طلب أنا نفسي أدهشني اعتبرته غريبًا لم أعهده من النساء لكني أقررته، فقد أخذتني لمنزل أهل صديقة قديمة لها وطلبت مني أن أطلب يدها لك. قاطعه قائلا:
- لي أنا؟!
- نعم لك أنت. على الرغم من قسوة هذا الأمر على المرأة واحتياجه لجرأة غير عادية إلا أن الحب والتضحية معًا يصنعان من الأصيلة جريئة.
وقف على رءوس أصابعه وصرخ في وجهيهما:
- لا. لا يمكن. كيف يحدث هذا؟ ثم أنتِ تفعلين هذا وأنا الذي ظننت فيك ظن السوء.
ونظر إليها وكأنه ينتظر منها نفي ما قاله عمها.
- هل ما قاله عمك صحيح؟
غالبتها دموعها حتى سقطت أمامها وقالت بصوت أجش:
- صحيح.
- وكيف تفعلين هذا؟ هل أوحيت لك يومًا بأني منزعج من قدري.
- وهذا ما آلمني، أنك لم تشك يومًا على الرغم مما فيك.
- وهل تعلمين ما بداخلي.
- إنه حس الأنثى. والآن نسق مع عمي وحددوا يومًا للناس فإنهم ينتظرون.
قاطعها ثائرًا:
- ومن قال لك إني موافق على تصرفك الأحمق هذا.
- يجب أن توافق كي أرتاح مما أشعر به من ذنب تجاهك.
هدأ وقال لها:
- إنه ليس ذنبًا. وإن كان فهي إرادة الله.
تجاهلت قوله وكررت:
- أي يوم يناسبك ليتفق عمي معهم عليه؟
وقف وسار بخطوات وئيدة نحوها وهو يقول:
- ليس هناك يومٌ يناسبني ولا تتكلمي في هذا الموضوع مرة أخرى.
ونسي وجود عمها وأمسك بيديها وقال بصوت هادئ حنون:
- إن لم يعطني ربي الولد فقد أعطاني حسنة الدنيا. أخلاق وجمال ويدان تحولان الرمل ذهبًا وتصيران الحديد ماسًا، واليوم زادت صفة أخرى إنها التضحية والأثرة فلقد فكرتِ وفعلتِ ما لم تفعله امرأة قط. حبيبتي اسمعي هذا الكلام واعتبريه نهائيّا لا رجعة فيه: لن أشرك معك في قلبي أحدًا، ولا في بيتي أحدًا، ولن أكون في يوم زوجًا لغيرك، ولن تكون غيرك زوجة لي، وحبك وحده كما كفاني فيما مضى من عمري يكفيني ما بقي من عمري.
اغرورقت عيناها بالدموع، ونسيت نفسها وأطبقت على كلتا يديه بكلتا يديها وهمت أن تلقي بنفسها في أحضانه لكنها في اللحظة الأخيرة انتبهت لوجود عمها وقد أذهله ما يسمع ويرى. حاولت مداراة خجلها:
- آه لقد نسينا الغداء. دقائق وسيكون أمامكم.
تظاهر العم بعدم الانتباه وأخذ – ووجهه تعلوه الابتسامة - ينظر إلى صهره نظرات إعجاب وإكبار وعبَّر عما في نفسه باختصار:
- الحمد لله الذي جمعنا بك.
اجتمع الثلاثة على المائدة تشاركهم السعادة، ثم الشاي، ثم الفاكهة. استأذن العم في الخروج متعللا بارتباط لديه فأذنا له بعد أن شكراه وتمنيا على الله أن يطيل لهما في عمره. ودعته عند الباب قبل أن يبتعد ناداه إبراهيم وطلب منهما أن يرافقاه إلى مكان يصلح فيه خطأ، ويعتذر عن حماقة اقترفها فترة غياب عقله. إلى سكن نورا. انطلقا جميعًا. لم يجدا في السكن أحدًا. عرفا من طارق ما حدث. زاد ذلك من تأنيب ضميره. أسرعا إلى العيادة. قدّم كمّا من الاعتذار الشديد ووعد بفتح صفحة جديدة. طلب من سهام أن تبتسم ليعرف أنها قد سامحته. أظهرت ابتسامة تخفي وراءها قناعة بأن المرء قد يفعل أي شيء بمنتهى السهولة وبكامل الجرأة، ولكنه يجبن عند مواجهة العواقب. عند باب العيادة ودَّعا عمهما، وعادا إلى عشهما. خلف الباب تبادل الاثنان النظرات. بادرها معاتبًا فردت بلطفها المعهود:
- أعلم أن تصرفي وخروجي بدون علمك لم تعهده مني، ولم أفكر فيه يومًا ولكنه من أجلك أنت لا من أجل غيرك كما فكرت، ابتسمت وقالت: أرجوك سامحني فأجابها بالعناق ودخلا ليخلدا لنوم القيلولة المهم بالنسبة له.
كللت السعادة أيامهما التالية إلى أن جاء يوم أخرجته فيه من عمله مكالمة منها تطلب سرعة الحضور فهي متعبة جدّا وتعاني ألمًا في معدتها يمنعها عن الحركة، جاء مسرعًا ونقلها إلى المستشفى. دخل معها الطبيب غرفة الكشف، وبقي ينتظر في مكتب الطبيب، وبعد نصف ساعة خرج الطبيب وفي يده أوراق التحاليل وجلس على مكتبه يكتب الوصفة الطبية، فبادره قائلا:
- إني أشك في أن الخضراوات والفواكه المشبعة بالأسمدة والمبيدات التي تنتجها الصوبات الزجاجية والمزارع المروية دون رقابة ذاتية أو قانونية؛ هي السبب في الوعكة الصحية المفاجئة. سامحهم الله. لم يرد عليه الطبيب واستمر في الكتابة وبعدما أكمل كتابته رفع رأسه ونظر إليه وقال: ما قلته صحيح. وليست الخضروات والفواكه فقط، فالمعلبات المنتهية الصلاحية. والمشبعة بالمواد الحافظة، والحلويات مثلها تسبب دائمًا في مثل هذه الحالات وربما تؤدي لأمراض أكثر خبثًا، ولكنها ليست السبب. فزوجتك حامل. لم يسعه المكان، ولم يمكّنه الفرح من الكلام، والمفاجأة من القيام. قاوم الذهول ودون دراية قفز إلى الباب، السعادة منحته طاقة تجعله يهز الكون تنفسه ، يهد الصخر تمرده ، يهاب الخلق توعده ، يطأ الأرض بقلبه، يبصر الأفق بعقله، يقاتل اليأس بقيده. لقد حمل في صلبه بذرة عتقه. حاول اقتحام المكان لكنه اصطدم برفض الممرضة. دقائق وستخرج. لم يصدق أن التي مرت دقائق؛ إنها سنوات حرمان الولد. لولا صد زوجته لضمَّها أمام الجميع. ولن يلومه أحد.
كان انتظاره الأول لها كي يصطحبها لمشاركة الحاج خليل فرحته بزواج ابنه الوحيد (منصور) لكنه ذهب ليُشَارك فرحته. لم يفقد الأمل فبتر اليأس. الإنصاف شأن يتكرر دائمًا. لا بد أن تعقب المرارة حلاوة، وأن تتبع الحلاوة مرارة. طغى الحديث عن النبأ السعيد على خبر الفرح. الكل فرح له ولزوجته. مرت الأيام والفرح يغمر المكان والزمان وكأن الفضاء مطلي بالإكليل. أيام إبراهيم زاد نبضها في رحم الحياة. حرصه الأول تضاعف. كل يوم يسألها أن يذهبا لمراجعة الطبيب للاطمئنان. يذكرها. ألم يقل الطبيب: عليكم بمراجعتي بعد تسعين يومًا؟
- يا رجل لم ينقضِ إلا نصفها.
منصور هو الآخر يراجع الطبيب من وقت لآخر حرصًا على ثمرة حبهما الذي ناضلا من أجله حتى انتصرا على كل الظروف، فترة موافقة الأهل وحدها أخذت عامًا ونصفًا. يسعى جاهدًا في دلال حبيبته، يلبي كل الطلبات خشية أن ينقص شيء مما تشتهيه، ويقر في قرارة نفسه: لو توحمت على بيضة جمل لأحضرتها لها. وبين الحين والآخر يفاجأان بزيارة من أحد والدي منصور، أو كليهما، أو من أحد والدي هدى، أو كليهما، وفي بعض المرات يحلان جميعًا في صدفة تثلج صدري العاشقين الصغيرين؛ فيطرحون على طاولة الحديث، ذكريات الشد والجذب، والمماطلة والتأجيل، والامتحان، ومن ثم الرضا والقبول، لينتهي مطاف الحديث إلى يوم الفرح. ثم يتذكرون الحاج إبراهيم واشتهاء رؤيته. قال والد منصور:
- منذ عملية الحمل وهو لا يغادر البيت. رد والد هدى:
- عنده حق، ثلاث عشرة سنة وهو ينتظر، لو كنت مكانه لما تركت الغرفة حتى إلى الصالة، ولكنت الطبَّاخ والكنَّاس. ضحك الجميع ودعوا له بأن يرزقه الله بالابن الصالح، وتواعدوا على زيارة قريبة له.


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:22

4

الظن...
إذا أضفنا على الواحد واحدًا مثله لا يمكن أن تكون النتيجة غير اثنين. ومن يضيع الفرصة لا يكون إلا شيئًا واحدًا. أحمق. ومنصور لم يرض أن ينعت بالأحمق. لاحت فرصة عمل ستمنحه إذا ما ضحى وأحسن استثمارها مكانة، وسوف تدر عليه خيرًا وفيرًا. وتمكنه من تحسين وضعه ووضع أسرته. فوالده الذي أثَّر غياب الأيام في طيات الشهور، وغوص الشهور في أعماق السنين، وتلاشي السنين في غياهب الدهر في قدرته. فضاعت حيوية جسده بين سني العمر، وتقلبات الحياة وتضاريس الهم . يعلم أن أمر انتقاله لن يكون بالسهولة التي يظن لمخالفته لرغبة والديه فهما لا مال عندهما يساوي بقاءه بجانبهما. ولكن حنو الوالدين يغلب رغباتهما دائمًا. لقد خبرا تصميم ابنهما، وحرصه على اغتنام الفرصة فقررا – وهما بين ناري مصلحة الولد وحقه في بناء مستقبله، وبعده والحاجة إليه في هذا العمر - ابتلاع الأمر على مضض فعاطفة الأبوة أجبرتهما على اختيار النار الأكثر لهيبًا في النفس: القبول بفراقهما، والرضوخ لإرادتهما.
كل يوم يجلسان بعد الاستيقاظ مبكرًا، ويتبادلان الحديث الذي لا بد أن يمر فيه منصور وهدى، وتتخلله قفزات إلى الماضي البعيد، وأيام الصبا التي يتلهيان بذكرها عن اللهفة على ابنهما الوحيد وزوجه، فقد كانت آخر زيارة لهما قبل سنة، لم ينقطعا فيها عن الدعاء له بالتوفيق. ويمنيان النفس برؤية الحفيد المنتظر. ويمر بهما – في العادة – الحاج عبد الكريم، الذي بلغ بداية العقد السابع، ولا عائل له بعد وفاة ابنيه أحدهما بمرض السرطان، والآخر في حادث سيارة، ووفاة زوجته بارتفاع ضغط الدم. يتبادل الثلاثة سرد الذكريات، والحاجة إلى من يسليهم. في جلسة مسائية في ليالي الصيف الساكنة أقرَّ لهما الحاج خليل على غير عادته فهو كما عُرِف عنه: كتوم غيور، مرتاب غير متساهل. جريء في الرأي. صلب في المعاملة. صاحب تصرفات غير متوقعة. يميزه قصر القامة المعاكس للقبه الذي عرف به منذ الصغر (خليل الطول) يميل يمينًا وشمالاً في مشيته بشكل متساوٍ. لم يكن له حظ في التعليم ولكن كانت له حظوظ في المعرفة. لم تشفع له هذه المعرفة عندما يعمي الغضب بصيرته. كم ضيَّع من أصحاب ومصالح بسبب العصبية. وعندما يبقى طبيعي المزاج فإن صفات مغايرة تغلب على طبعه. حنون ومتفانٍ في المساعدة. رءوف بالضعفاء؛ أقرَّ لهما بإعجابه الشديد بسهام. يعجبه فيها ما تتمتع به من جمال لا مثيل له في الحي. وخلق لا يعرف له قدرًا، وعلم لا يقدِّر له وزنًا. كان دائمًا يتمنى أن تكون زوجًا لمنصور، لكنه كان هو أول من سيرفض إن طلب منه منصور أن يطلب يدها له. الجمال والعلم والأدب شيء، وطينتها شيء آخر تلغي كل ما تقدَّم. إن هذا لا ينفي الشهادة بأنها أحسننا خَلْقًَا وخُلُقًَا. قاطعه الحاج عبد الكريم، الرجل الطيب الوديع:
- ما ذنبها الذي عليها أن تخسر كل الصفات الحميدة التي ذكرت بسببه؟ ليست مسئولة عنه.
ردّ بعنف:
- وما ذنبي حتى تكون أم أحفادي ابنة حرام. هل سينفع الجمال، أو العلم، أو الأدب حين يُعَيَّرُون بها؟
تدخلت أم منصور(رقية) بكأسي شاي تفوح منهما رائحة النعناع البعلي، تدخلت عن عمد لمعرفتها بطباع زوجها التي بدأ بعضها يتغير بفعل عامل الزمن. والذي تبدو قسوته واضحة في معالم الحاج عبد الكريم. تحاول الحاجة رقية المرأة المختلفة عن النساء. المقتصدة في القول وفي حركة الرجل. لا تحب أن تنقل لأحد أو عن أحد. تتعامل مع الآخرين بنيتها الصافية التي لا تحمل حقدًا على مخلوق. تتعاطف بشكل قوي مع سهام. ترى أنها ثمرة شهية تنضج كل يوم ولا أحد يجرؤ على قطفها، وتقول دائمًا: لماذا يلام المرء على ما لا يقترفه؟ كيف للجاني أن يتهم المجني عليه؟ المؤتمن مسئوليته صون الوديعة لا تغييرها. أيحق لنا النفور من مذاق ثمرة غرسنا شجرتها في أرض السبخ؟ بعضٌ هم من يدركون الحقيقة، وبعض البعض يقرونها. تعاطفها مع الحاج عبد الكريم يجعلها تحاول جاهدة مضاعفة الاهتمام به لتعوضه عن النقص الناجم عن فقد الأسرة، فبعد سفر ابنها عرفت معنى خلو الدار من نَفَس الولد، ولأن الحاج عبد الكريم صاحب مواقف طيبة مع أسرتها. كان يرسل الحاجة حليمة (زوجه) لتؤنس وحدتها في الفترات التي كان يغيب فيها زوجها، بل كان يرسل معها اللحم والخضراوات، وكان دائم الحرص على أن يكون أول المهنئين لهم في أفراحهم، فهي تعتبر العناية به من باب رد الجميل، ولكن مع تزايد اهتمامها، بدأت غيرة أبي منصور تطفو على السطح، ولكنه كان يتحكم في نفسه ويكتم غيرته، ومع مرور الأيام، ومع ضعف السيطرة على النفس لعوامل الكبر، والضغط النفسي الناتج عن الشوق إلى عائلة الابن، وهواجس الماضي فهي... انفجر ذات يوم في وجهها قائلاً:
- ألم تلاحظي أنك بالغتِ في ملاطفة الحاج عبد الكريم؟
اندهشت برهة ثمَّ ضحكت بعدها قالت:
- أيها العجوز الغيور؛ إنه رجل مسن وقد صرعته نوائب الدهر، وعلينا أن نعوضه بالعطف عما فقده.
- لكن هذا لا يعطيك الحق في أن تدلليه كحبيب.
استقبلت أذناها العبارة كأنها طعنة خنجر، وحبست غيظها وارتحلت من أمامه. اعتبرت هذه التصرفات نتيجة لطول مدة غياب ابنهما، ولهفته على ضمّه والحديث معه، لذا لم تُعر الأمر اهتمامًا على الأقل في الظاهر، وهذا ما جعلها تُنَفِّذ في اليوم التالي ما كانت قد قررته قبل المناوشة مع رفيقها، منذ الصباح بدأت الإعداد للأمر: وجبة غداء (كسكسو) للحاج عبد الكريم فهو يحبها كثيرًا، وتذكره بالحاجة حليمة الماهرة في إعدادها، لذلك أولتها عناية خاصة. لم يدخل أبو منصور المطبخ ويطَّلع على أمر الغداء إلا قبيل حضور الحاج عبد الكريم؛ فاشتاط غضبًا – وكان الحاج عبد الكريم قد جرَّ قدميه اللتين أخذتا منه عشر دقائق قبل استطاعتهما رفع الجسم البالي بعوامل الأيام والأحزان. صرخ في وجهها.
- أنا أعرف أن هذا الاهتمام له سبب، وسببه الأصل الذي أنت منه.
تحاملت على نفسها وقالت:
- أتق الله يا رجل، لم أخنك في شبابي كيف أخونك في هذا العمر؟! ثمَّ كيف تطعن في وتجرحني بهذه الطريقة؟!
- لأن تصرفاتك مع هذا العجوز لا معنى لها إلا ما أعني، حتى إنك صرتِ تهتمين به أكثر مني. كان الحاج عبد الكريم قد اقترب من الباب مع بداية الحوار الساخن وسمع ما قيل؛ فاستدار بعنف حتى كاد أن يسقط، شعرت بصوت عند الباب أكملت الرد عليه بسرعة وتوجهت إلى الباب. فتحته فوقعت عيناها على آخر خطوة للحاج عبد الكريم ثم توارى في جدار بيته. عرفت أنه سمع الحديث. أقفلت الباب وسقطت مغشيّا عليها. تسمَّر في مكانه حائرًا. تتصارع ردتا الفعل في عقله. إحداهما تدعوه إلى الاستمرار في كبريائه، والأخرى تخاطب إنسانيته وتدعوه لرفعها وسكب قليل من الماء البارد على وجهها. أخيرًا اندفع صوبها وحملها حتى وضعها على سريرها. وقف بجانبها حتى استعادت وعيها، حاول أن ينطق فأدارت وجهها، انسحب بهدوء من الغرفة. جلس على أريكة في وسط الدار يقلب الأمر في رأسه بين مقر لنفسه على ما فعل لأن زوجته بالغت في إكرامها لجارهم ولم ترعَ لشعوره حرمة، وبين معاتب لها على ما اقترفت من إثم في حق أحب الناس إليه، وجاره ورفيقه القديم، إنه حائر مضطرب. بقي على هذه الحالة لا يدري عن نفسه حتى داهمه القلق ثم النوم. لم يستيقظ إلا في منتصف الليل، نسي سنوات عمره وتقوس ظهره. هرول باتجاه الغرفة. أشعل ضوء الغرفة، وجدها مستيقظة تذرف الدمع، حاول أن يمسح دموعها بيديه. أشاحت بوجهها عنه. اعتذر لم ترد. تردد في مغادرة الغرفة وأخيرًا غادرها وهو يحمل لها العذر فيما تفعل ، ويؤنب سوء ظنه.
ما إن طلع الصباح، وعلت الشمس حتى همّ بدخول الغرفة وألقى عليها التحية، فردتها بصوت منخفض، طمأنه ذلك قليلاً وخرج لإعداد الإفطار. سمع صوت أقدامها تغادر الغرفة، حضَّر الإفطار ووضعه في المكان المعتاد وسط الصالة، وحضَّر لها المكان ثمَّ دعاها. أقبلت متثاقلة وتنهدت وجلست. ناولها قطعة الكعك وكوب الشاي بالحليب. تباطأت في أخذها، ثم تناولتها ووضعتها أمامها. انتظرها كي تبدأ الأكل. لم تفعل. طالبها بشيء من اللين، أخذت قطعة صغيرة من الكعكة وأعقبتها رشفة من الحليب، وقالت:
- أتعرف أي فعل فعلت! لقد صدعت جدارًا عمره ثلاثة وأربعون عامًا، لم تؤثر فيه كل صروف الدهر، ولا أدري أي شيطان ركبك حتى ظننت ما ظننت، كيف أوحى لك خيالك بأنني قد أخون من وهبته عمري، وثقتي، وراحتي، كيف.. كيف؟
لم يرد، وبعد لحظات صمت قالت:
- قد أجبر نفسي على نسيان ما حصل، ولكن المسكين الذي جرحته ما ذنبه، عليك أن تذهب وتعتذر له، وتطلب منه أن يسامحك.
- وهل سيقبل اعتذاري.
- إن لم يقبل فله الحق. ولكنه صاحب قلب طيب. اذهب إليه الآن.
وافق على الذهاب إليه والاعتذار منه، اصطنعت ابتسامة. خرج من البيت. أقل من خمس دقائق كان يطرق بابه بطرقات فيها خجل. كرر الطرق. لا جواب. قال في نفسه: من المؤكد أنه يعرف أنه أنا لذلك لا يريد الرد علي. طرق بقوة هذه المرة، لم يسمع صوتًا، دفع الباب ودخل ناداه:
- يا حاج عبد الكريم، يا بوجار؛ فلم يرد، توجه إلى غرفته فرآه نائمًا. كلَّمه وهو يقترب منه، ثم رفع الغطاء عنه. لقد فارق الحياة. تسمّر الرجل في مكانه. مات ولم يمت. انقطع نفسه لكنه لا يزال حيّا. لحظات من الصمت الرهيب، والغصة الخانقة سبقت سقوطه على الأرض. مرت فترة زمنية سخَّرها ذهن أم منصور للعتاب الذي لا بد وأن يسبق التسامح لأن خطأ زوجها لن يُغتفر بسرعة، ثمَّ قالت في نفسها: لا بدَّ وأن أتدخل لألطف الأجواء، وأساهم في الاعتذار. لحقت بزوجها، رفعت صوتها عند الباب لإعلامهما بوصولها، لكن لم تجد مبالاة بذلك، ولم تعلم في أي الغرف يتحدثان، اهتدت أخيرًا إلى الغرفة؛ ففوجئت بزوجها منكبّا على وجهه عند رجلي الحاج عبد الكريم. دون أن تدري سقطت عليه محاولة رفعه حركته فاستجاب لها، عرفت أنه لا يزال على قيد الحياة، رفعت رأسها لترى الحاج عبد الكريم في وضع أوحى لها بوفاته، صدمها الموقف، واحتارت بين بكاء الميت، وإنقاذ الحي. ولكنها تعلم أن الحي أبدى من الميت.
لم ينتبه إلى نفسه إلا وهو في بيته، سألها:
- هل مات الحاج عبد الكريم؟ هل مات؟ قولي: لا.
كظمت غيظها فقد أخرس الحزن لسانها، وتكفلت عيناها برد الجواب، ثمَّ شهقت بزفرة أدمت جَلَدَه، وشلّت صبره. بقيا فترة من الوقت على هذا الحال وتنبها فجأة إلى ما حدث، فقد تركا الرجل المسكين جثة هامدة، هنا صرخت بأعلى صوتها حتى سمعها من في الجوار أسرعوا ليعرفوا الخطب، وجدوا الشيخ ملقًى لا حراك له، لكنه يتنفس، التف حوله بعض الرجال وتبادلوا الآراء حول حمله إلى المستشفى أو إحضار الطبيب، بينما أخذ بعض النسوة يخبرنها بأن الأمر لا يحتاج هذا الصراخ وأن الحاج بخير، وصراخها يعلو ويتواصل. رأى الحاضرون حمله إلى الطبيب وباشروا في ذلك، ولكنها منعتهم وأخبرتهم أن الأمر يتعلق بالحاج عبد الكريم: لقد مات الحاج عبد الكريم. لقد مات، وعلى غير هدى غادر الجميع إلى بيت الحاج عبد الكريم فوجدوه جثة هامدة. احتارت بين اللحاق بهم، والبقاء مع زوجها، وأخيرًا لحقت بهم.
قال الحاج جبريل: اذهب يا محمد، وخذ معك من يساعدك، وأحضروا الخيام وانصبوها.
وقال الحاج فرج: أنا والحاج سعد سنهتم بالتغسيل.
وتوجه بالخطاب إلى الحاج هارون قائلاً:
- أرسل من يحضر الكفن.
- حاضر لكن عجلوا كي نصلي عليه بعد العصر فكرامة الميت دفنه. كان (طاهر) ابن الثلاثة والعشرين عامًا أقرب الموجودين نسبًا بالمتوفى فهو الأخ غير الشقيق لجده من والده، ولكن كان قليل العلاقة به بسبب سوء العلاقة بينه وبين والدته، على الرغم من حاجة طاهر للرعاية والحنان فقد ترملت أمه وهو في العام الرابع .
أسرع في إحضار الكفن، وانشغل الآخرون في إعداد مكان إقامة المعزين، والبعض أسرعوا لذبح (الونايس)(*) في اعتقاد منهم أنها تؤنس وحدته في القبر، ولا بد أن تكون من حرِّ ماله حتى ولو كانت الإرث الوحيد لمن بعده.
قال الحاج هارون: أين أبو منصور؟
ردَّ الحاج فرج: صحيح لم نرَ الحاج خليل. الحاج عبد الكريم– الله يرحمه – جاره وصاحبه.
- لا يتأخر بدون سبب.
- أرسل يا حاج فرج واحدًا يسأل عنه ويبلغه عن موعد الدفن.
أرسل الحاج فرج ابن أخيه طارق، ذهب مسرعًا وصل إلى البيت. طرق الباب فلم يسمع جوابًا. سمع الحاج خليل الطرق على الباب. وعرف أن الأمر يتعلق بجاره، ادمعت عيناه. عاد به فكره إلى أبعد من سبع عشرة سنة، يوم أن اشتدت الحمى على منصور، في مرضه بـ (النمنام)(**) واضطر لأن ينقله إلى المستشفى، نظر في جيبه فلم يجد شيئًا، احتار في أمره. منصور مريض، والجيب خالٍ. ما الحل؟ أشارت عليه أن يذهب إلى الحاج عبد الكريم فهو لن يقصِّر، اقتنع وذهب إليه.
- ا لسلام عليكم.
- عليكم السلام. تفضل يا حاج خليل. كيف حال منصور؟
- حاله هو الذي أتى بي إليك.
- خير إن شاء الله.
- منصور مريض يا حاج عبد الكريم، وأخاف أن يضيع مني.
- الله يقدر ويلطف، وإن شاء الله يشفيه.
- المهم. قررت أن أذهب به إلى المستشفى، ولكن...
- فهمت. انتظر.
دخل البيت وعاد في زمن قليل، ومد يده للحاج خليل وناوله مبلغًا ماليّا.
- هذا مبلغ أدخره للحاجة.. عالج منصور.
- كيف أشكرك يا حاج عبد الكريم؟
- عالج الولد وعندما يشفى اشكرني.
إيه. ماذا أذكر لك من خير يا حاج عبد الكريم؟ أذكر يوم وقفت ضد أقاربك في المشكلة التي وقعت بيني وبينهم؟ أم أذكر مساهمتك في زواج منصور، وإصرارك على تخفيض المهر؟ وماذا أذكر لنفسي المرتابة الجحودة؟ لعنة الله على الشيطان. لعنة الله على الشيطان. لعنة... يكررها وهو ينهض ببطء، ويسير ببطء. فتح الباب وجد الطارق طارق. الشاب الجامعي المهذب. المحب للعلم الطموح. الساعي وراء مواصلة تعليمه. الطامح إلى أعلى درجات العلم:
- تفضَّل يا بني.
- الجميع يسألون عنك وهم ينتظرونك ليدفنوا الحاج عبد الكريم يرحمه الله.
- تمسك بعارضة الباب، اتكأ عليها بجسده المنهك. أغمض عينيه. قال بصوت مخنوق.
- سوف ألحق بك.
- هل أنتظرك لأساعدك في شيء؟
- لا. بارك الله فيك وفي والديك.
تذكر منصور غاب ثوانى عنده. انتبه: مع السلامة يا بني. وقف عند الباب قليلاً بعد ذهاب طارق. جرَّ قدميه بحركة أكثر بطئًا من حركة تروس تعتمد على بطارية شحنها في الرمق الأخير.
نُصِبت البيوت العربية التي لم تتخلَّ النسوة عنها حتى بعد دخولهن المدينة. ذبحت (الونايس). غُسِّل الحاج عبد الكريم. أُحضر التابوت. مستقر كل نَفْسٍ من البشر بعد مغادرة النَّفَسْ. الصندوق الذي لا يشغل المرء باله في زيارته والنظر في تجويفه ولو لمرة واحدة، أو مجرد التفكير فيه كي نعلم أننا لا بد يومًا، وإن طالت سلامتنا، أو تقوَّت سلطتنا، أو كثر مالنا، وأولادنا. ومهما بلغت قدرتنا، مهما علا شأننا. وارتفعت هاماتنا. أن تعتلي أجسادنا فوهة الصندوق وتهوي في قعره بأيدي من نحب. سنقبع بين هذه الألواح المحكمة التثبيت. حتى نودع المستقر الأخير الذي يئول إليه المصير. حتى ساعتها نغفل عمن يكون إليه المرجع والمصير. حُمِل الصندوق على الأكتاف. وصل الحاج خليل، وضع يده على المقبض الخلفي الأيمن للصندوق. تحرك حَمَلَةُ النعش. لم يلتزموا الصمت. ولم يستطع الحاج خليل مجاراتهم فآثر السير خلفهم. وصلوا إلى المسجد. وضعوا الصندوق في مكانه المخصص. بعد أداء الفريضة توجه المصلون حيث يرقد الحاج عبد الكريم. وقفوا في طوابير. تعالت الأصوات " كثِّروا الصفوف. كثِّروا الصفوف " كبَّر الإمام انقطع الصوت. بعد السلام. التف البعض على الصندوق يدعون. وغادر البعض الآخر. رُفع على الأكتاف ثانية حتى وضع في سيارة. انطلقت السيارات في تتابع حتى وصلت المقبرة الإسلامية. وجدوا المبعوثين قد أتموا تجهيز القبر. وضعوا الصندوق على الحافة الغربية للقبر. وصل الحاج خليل قال وهو يجفف دموعه: أريد أن أرى وجهه. أريد أن أقبله. جاء من ناحية القبر. رُفع الكفن عن وجهه. أنزل رأسه في الصندوق ليقبل رفيقه الذي يرى أنه المسئول عن موته. زلت قدمه في القبر فسقط بداخله. تمدد في القبر دون حراك. مدت له الأيدي للمساعدة. لكن يد الموت كانت أقرب. سرى الخبر بين الحاضرين. تعالت الأصوات بالحوقلة. رُفع صندوق الحاج عبدالكريم. تراءى أهل الرأي، كان الرأي الغالب تغسيله والصلاة عليه ودفنه. الوقت ضيق ولا يمكن العودة به. من يغسل؟ من يغسل؟ تطوع شابان اعتادا المهمة. رأى الحاج عمران أن يحفر قبر آخر للحاج عبد الكريم. سندفن الحاج خليل في قبره الذي اختاره بنفسه. لا ينبغي أن نفسد عليه اختياره. حقّا. إن كل تربة تنادي على صاحبها. بسرعة جهزوا قبرًا جديدًا. دقائق وكانت الأيدي تهيل التراب فوق الحاج عبد الكريم القابع تحت مستطيلات الأسمنت الخمسة.
تقدَّم الحاج عمران للصلاة على الحاج خليل. أعقب الصلاة بالدعاء فدعا الجميع. رفعوه على الأعناق. قبيل غروب الشمس انهالت آخر حفنة تراب على قبره. قطع أحدهم أفرعًا خضراء من الرمث ووزعها بين القبرين المتجاورين.
أول سيارة عائدة نقلت خبر وفاة الحاج خليل. تعالت ولولة النساء التي هدأت بعد رحيل الصندوق. سرت ربكة في مجتمعهن. تدافعن ناحية زوجه. أخذن يبكين معها على ذويهن. يعزينها والدموع جامدة في عينيها. وحدها تبتلع الغصة. وحدها المتضرر. وحدها العالمة بالأمر. الملمة بالأحداث. صامتة شاخصة. تبكي قلبها بقلبها. لم تره. لم تودعه. قالت في نفسها: "الله يسامحك يا حاج خليل" وحدها سهام كانت تدري بعمق الحزن الذي طوَّق قلب الأرملة الثكلى، الحزن الذي يعتمل في داخلها مكنها من أن تحس آلامها وتعرف قَدْرَ مصابها؛ لأنها تعلم علم اليقين معنى أن تكون المرأة بلا عائل، أن تجد المرأة نفسها وحيدة تتقاذفها رؤى الآخرين وفق ما يبغون لا كما تبغي هي وتريد. لا يعرف ألم النار إلا من قاسى لهيبها، وسهام كادت تنصهر من كثرة ما اكتوت نفسها بنار واقعها.
وزِّعتْ المهام على الجميع. قال الحاج فرج أرسلوا من يبلغ منصورًا بالنبأ. لا يعلمه بالوفاة. يقول له: إن والده مريض. قبل أن يصل منصور كان ميراثه من الماشية قد استهلك، وما قيمته من محل الحاج عمران. استقبله المعزون وبعد أن فرغ منهم توجه إلى أمه التي احتضنته بعنف ولم تدر بعد عن نفسها شيئًا. حملت إلى الداخل ترعاها جارتها. طال الأمر فنقلت إلى المستشفى. عادت لوعيها لكن ليس كاملاً. لقد كانت الصدمة قوية عليها. أصابتها بخطل في عقلها. اضطر منصور للبقاء فترة أطول. قرر أن يلغي عقده هناك ليبقى مع والدته المريضة الوحيدة. لكن كان للموت قرار آخر. فارقت أمه الحياة دون أن تخبره شيئًا. لحقت بهما وكأن القدر أراد أن يصالح بينهم ولكن في غير مكان. رحلوا بسرهم. هو العمر ولكن لكل شيء سبب. وما أقسى أن يكون سوء الظن سببًا في الموت.



يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:24

6


وجع الطموح!!

التعارف والإعجاب والتعاطف يَقُدْنَ إلى علاقات متعددة بالمرأة وبخاصة التي تملك صفة الجمال. طارق يدرك هذا. ولكنه يؤكد لنفسه أن انجذابه إلى سهام لا يتعدى الثالثة. فتاة صغيرة جميلة لعب القدر بظروفها كما لعب قبلُ بتكوينها. هي أيضًا لا تخفي عن نفسها انجذابها إليه. فالمرء مع من يحسن إليه. فما بالك إذا كان المُحْسَنُ إليه فتاة رقيقة تعيش على حافة الحنان وتفتقر للألفة والأمان، المُحْسِنُ يمتلك فيضًا من رقة، وأنهارًا من حنان تشق جداولها أرضًا عطشى. وسهام في الحياة كالغريق، والغريق يعلق بقشة، لكن سهام بخلقها المعهود تقبل الغرق على أن تتعلق بقشة تعلّق بها غيرها. وطارق ليس قشة إنه كتلة من طموح، وكَمّ من حضور في المجتمع. هو ذلك الشاب الذي شغل زواجه منذ خمس سنوات المجتمع المحيط، وكان مدار حديث الناس أكثر من شهر، وانقسامهم لفترة طويلة بين محلل ومحرِّم. وبين قابل ورافض. بين مستسيغ ومستهجن، فلقد تزوج بأخت أخته. كما أنها تعقل أن العلاقة بين المرأة والرجل كالعلاقة بين الفتيل والشرر.
طموحه هو أكثر ما يميزه مع إقراره بأن الطموح لن يكون بلا نصب. وأنَّ كل حسن يتطلب تضحية. ومن لا طموح له لا قيمة له، ومن لا قيمة له لا وجود له. ماذا تعني الأموال بلا سمو. على كل ذي لب أن يصنع لنفسه شأنًا. لا يهم ماذا سيتكلف؟ الأهم ماذا سيجني؟ أحمق من يقبل العيش على هامش القيم. كل شيء بمقدار. على المرء أن يبقى حيث تتوق نفسه ما دامت الكرامة مصونة.
هكذا كان يفكر طارق الذي كان يطمح للمراتب العليا. تميزه الروح العصامية، والكفاح والمثابرة. بعد أن أكمل الدراسة الجامعية قرر التقدم للدراسات العليا. كان يطمح أن ينالها من القاهرة. يومًا بعد يوم كانت رغبته تنمو وحلمه يتفتق. حتى جاءت لحظة الفعل. جمع مبلغًا ماليّا كان قد اقتصده. جدد جواز سفره الذي لم يسافر به قط. ودَّع الأهل منطلقًا في رحلة الطموح. بحث عن سهام كي يودعها لم يجدها مع علمه أنها تعلم برحيله، وعلمها بأنه يبحث عنها. قررت ألا تلتقي به خوفًا من طغيان العاطفة، وخروج علاقتها به عن المسار القويم، وصونًا لحقوق زوجته. عزمت على الانسحاب وأكدته، فغادر دون أن يراها. في صالة الجوازات وقف ساعة في الطابور الطويل. وجلس ساعة ونصفًا ينتظر التأشيرة. نصف الوقت المهدور كان سببه الفوضى والزحام ممن يهوونها، هذا الخرق الأخلاقي جعل ضابط الجوازات يأمر بوقف توزيعها حتى تتوقف الفوضى. هو ومعه القليل لم يكن لهم إسهام في هذه الفوضى، يقفون بعيدًا يستمعون لأسمائهم. لكن احترامهم لأنفسهم لم يشفع لهم، فقد شملهم قرار المنع. وقعوا تحت طائلة المفهوم الجائر (الحسنة تخص والسيئة تعم) مما يجعل لزامًا على النفس أن تحمل وزر أخرى. دون أن يطلب الإذن عاد به ذهنه إلى أبعد من واحد وعشرين سنة عندما كان في الصف الأول الإعدادي. وكان معلم اللغة الإنجليزية يعاقب كل الفصل لسماعه صراخًا قبيل دخوله، أو عندما يلقي أحدهم كرة صغيرة ليحدث ارتفاعها وارتطامها بالبلاط صوتًا مكرورًا. أو يضعون السلة فوق الباب المنزوي لتقع فوق رأسه بعد أن يدفع الباب للدخول. كان رد فعل المعلم عقاب الجميع بمن فيهم هو على الرغم من تذمره من تصرف الطلاب، وتعاطفه مع الأستاذ، وتأذيه المعنوي لأجله. لكن المعلم قابل هذا بشمولية العقاب، مما ولَّد عنده ردة فعل مخالفة لمبادئه في احترام الآخرين – ولا سيما – المعلمين. حتى تطور رد الفعل إلى فعل. خمس وأربعون دقيقة قضاها في صالة التفتيش المرتفعة بالسقف. البعد بين زواياها يضاف إلى المساحة المقدرة لتحقيق الطموح. أركانها شكلت ملاذًا للعناكب التي يبدو أنها لم تعد تتأثر بسحائب دخان السجائر المتعددة النكهات. وخمسون دقيقة في انتظار بقية الركاب. ونصف ساعة في انتظار موعد انطلاق الحافلة. لم يصل محطة (سيدي جابر) إلا في الصباح.
دفع اثني عشر جنيهًا إضافيّا كي يركب القطار السريع، ويسافر على الدرجة الأولى. علم أن التدخين فيها غير مسموح به. إنه يكره التدخين كره النار للماء. كم من إشكال وقع فيه بسببه. فالمدخنون لا يلقون بالاً لشعور الآخرين ونظافتهم. يظنون أن الحياة من حقهم وحدهم لأنهم أصحاب مزاج. ويرون أن الشذوذ هو عدم معايشة حالة التدخين. وأن الرأس التي لا تتخدر بهذا اللعين تستحق الضرب بالسيف. كان رقم كرسيه (18). وضع حقيبته البنية ذات الحزام العريض وأرقام التأمين فوق رأسه وجلس مسترخيًا، فقد بقي ساعة وعشر دقائق قلقًا خشية أن يفوته القطار. لم يقرأ موعد الرحلة على التذكرة. كل قطار يدخل أو يخرج يسأل عنه. أول مرة يركب قطارًا، ولديه فكرة سلبية عن المكان. لكن حسن رد من سألهم. وعدم مطالبتهم إياه بثمن الإجابة. جعله يحتار؛ فالمعلومة عنده أن في مصر كل شيء بثمن. هكذا كان يسمع من بعض من سافروا قبله. أخرج صحيفته. أخذ يقلب صفحاتها الثلاث والعشرين، يبحث عن سعر العملات ليحدد سعر تغيير العملة التي معه، أخبروه أن السوق السوداء سعرها أكثر لكن تتطلب الحذر. عادت إلى ذهنه روايات العائدين الواقعين في حبائل الغش "العملة المزورة والنصب والاختلاء بالزبون وفك ما معه عنوة...". ولكنه سمع من آخرين أن هؤلاء الرواة هم الذين يضعون أنفسهم في النخالة. تنقل بين الصفحات استقر بصره على مقال عن العولمة. اندمج فيه. أوقف اندماجه صوت سامي "ابنه الأصغر" وهو يوصيه - أثناء توديعه - على الألعاب. وعلى مانجو وجوافة. ابتسم لأنه عرف أن الطلبين الأخيرين قد همست بهما أم سامي في أذنه . قال بصوت سمعته حواسه: غالي والطلب رخيص. صوت احتكاك عجلات القطار على قضبان الحديد تصل إلى أذنيه لكنها لا تزعجه. استمر القطار في اندفاعه يقذف الأميال في جوفه. خُيل إليه أن سرعة العربات الأخرى تختلف عن عربته. يرى أنها أكثر في الحركة. قاطعه النادل. "سندوتشات جبنة رومي. هايتي. شاي. قهوة. نسكافيه. كولا. شويبس. سفن." ساعة الانتظار في المحطة كانت صاحبة الاختيار. طلب قهوة وسط. فتح الستارة. رأى بسطًا خضراء يظللها فضاء أزرق. نساء غاديات وأخر رائحات يحملن حزم القش فوق رءوسهن. وأخريات بجانب أزواجهن يُعْمِلْنَ المناجل في الحشائش. والجواميس هي الأخرى تُعْمِلُ شفاهها الغليظة. وتقذف روثها في مكانها. لمح طيورًا بيضاء ذات سيقان طويلة ورقبة أطول قرَّب رأسه من زجاج النافذة. مسحها بيديه. تيقن من الطائر. لقد أعاده إلى الصف الثالث الابتدائي. إلى درس القراءة (أبو قردان) إنه ذات الطائر الذي قرأ عنه وعرف أنه صديق الفلاح. يخلِّصه من الدود الذي يفتك بالمزروعات. لأول مرة يراه على الطبيعة. لم يره من قبل إلا على علب الجبنه. كل الطريق زراعة وعمران. حركة دءوبة. كل شيء يتحرك. الماء في الترع ينساب بليونة. المحركات وحدها هي التي تغير وجهة الماء وسرعته. الفائض الكبير في الماء يجعل الفلاحين لا يرحبون بهطول الأمطار.
شعر بتراجع في سرعة القطار. وشعر بأن حدة الاحتكاك أخذت تقل. العربة بدت كأنها تنساب تلقائيّا. تجنح ذات اليمين وذات الشمال في حركة منتظمة. فتح الستارة من جديد، رأى بنيانًا مرصوصًا يعج بحركة البشر والحديد. ومن نافذة جاره في الجانب الآخر تمكن من أن يرى عددًا كبيرًا من عربات القطار المحالة إلى التقاعد. سأل جاره:
- هل وصلنا؟
- الحمد لله على السلامة.
رأى ركاب العربة يتهيئون للنزول. وقفوا صفّا واحدًا في المساحة الضيقة بين أشواط المقاعد. سحب الطابور ولم تتوقف حركة القطار. وصل الباب رآهم يقفزون على الرصيف. لم يستطع فعل ذلك. وقف في الباب. صاح الواقفون خلفه: (انزل يا عم). تنحى جانبًا حتى توقف القطار عن الحركة تمامًا. نزل وسار في الاتجاه الذي سار فيه السابقون. بشر ترتطم أجسادهم ببعضها دون أن يلتفت أحد. ضجيج وزحام، أكشاك. صحف. مجلات. بيع كروت الهاتف. سجائر، مشروبات. معجنات. هدايا... أخذته الموجة البشرية وألقت به في أتون فضاء أكبر. أربك عمل كل حواسه؛ فأنفه لم يسعفه في التمييز بين روائح المقليات (الفلافل. البطاطا. الباذنجان..) التي اختلطت بروائح عوادم السيارات والقطارات، والمصانع. كما أن حاسة السمع هي الأخرى أعلنت عجزها عن تمييز الأصوات المتداخلة المكدَّسة في الفضاء. والمختلطة بين أصوات السيارات والقطارات والطيارات والدراجات النارية، ومناداة الباعة، وصفارات المرور. ولا حاسة النظر على استيعاب الكم الهائل من الدعايات التي غدت كأنها سطر واحد طويل مفكك الجمل. وصور الفنانين التي تعلو البنايات، ومسميات المحلات. مرَّ بمحل للعصائر. توقف عنده أخرج نقودًا بحذر وطلب عصير المانجو. تناوله دفعة واحدة ثُمَّ عاد إلى الرصيف. أخذ صيادو الغرباء بألوانهم السوداء والبيضاء يحومون حوله. وقف الأول أدخل رأسه مع الزجاج. حاول أن يتكلم اللهجة المصرية. لم تسعفه القدرة فاكتشف أمره المكشوف أصلاً من هيئته ومن الخبرة الطويلة لهؤلاء. لم يتفقا. الثاني لم تفلح سياسة الكر والفرِّ. الثالث كذلك. الرابع استدرجه بأسلوب سلس ينام عليه الجائع. لقد أكرمه بإنزال ثلاثة جنيهات. انطلقت السيارة تتأرجح وسط زحام السيارات، وتنساب في سرعة وسط معابر ضيقة تنفرج بين السيارات يحسن السائق استغلالها. يضغط الكوابح كثيرًا فيضغط طارق في حركة لا إرادية. ويتشبث بيده اليمنى بالمقبض فوق رأسه أعلى الباب. سارت به في منطقة شبه مظلمة. سيارات فوقهم، وأخرى تتداخل معهم من شوارع فرعية كأنها أوعية دموية. عندما تلوح فرجة صوب السماء يلمح مبانٍي تمد ألسنتها، وأشجارًا تلفظ سحائب العوادم. ويتكشف له فضاءٌ مغطى بخمار أسود. انعطافة على اليمين أخرجتهم من الزحام، ورفعت عنهم الغطاء الأسمنتي. لاحظ أرتالاً من الحافلات تحيط بها رؤوس من كل جانب وتتزاحم عند الأبواب. يغفل عن بصره فيسرح في كل اتجاه يشده نحو منظر غير مألوف لديه. يرتفع أعلى حتى يلامس البنايات الشاهقة، وينخفض ليتابع بِشَرَهٍ حركة فتاة مضغوطة اللباس مثل قالب خرساني أحيط بشريط لاصق. وأخريات مثلها يسرن في سراويل كأنها خيطت فوق أجسادهن، يقفن مع فتيان بدون أكمام. وغيرهن قد تشابكت أيديهن بأيدي عشاقهن يقفن على الرصيف المطل على النيل. توقف السيارة أمكنه من أن يطل برأسه ليرى الأشرعة المتراصة في النيل والقوارب التي تقطع النيل جيئة وذهابًا. انتبه السائق الذي يحتل اللون الأبيض ثلث مساحة رأسه، ويتأرجح عمره على حافة العقد الخامس. يرتدي قميصًا وسروالاً لا علاقة بين لونيهما. لا يضع نظارات على عينيه. أصابع يده اليمنى لا تكف عن دحرجة حبات المسبحة الخضراء الواحدة تلو الأخرى حتى أثناء تغيير السرعات. بيده اليمنى ضغط الشريط ليتوارى خلف ساتر من الحديد الخفيف لينطلق صوت الشيخ عنتر. وبعيده انطلق دخان الكليو باترا، انتبه إلى شروده وتركيزه المبالغ فيه. سأله: هل هذه أول مرة تدخل فيها القاهرة؟ أجابه دون أن يقطع مراقبته لعربة يقودها حصان يمسك رجل ضخم الجثة بمقوده، ويجلس في العربة فتًى وفتاة في حالة هيام. يطوقها بذراعه ويشير إلى النيل بالأخرى: مصر كلها وليس القاهرة فقط. صعد السائق الكبري: هذا هو برج القاهرة بإمكانك أن تحدد به موقعك. سار بعينيه خلف إشارة السائق. اخفض رأسه ليتمكن من رؤية قمته من مكانه وأطال النظر. وهذه حديقة الحيوان. والقبة هناك البادية في نهاية الشارع. جامعة القاهرة. نظر بتركيز وهو يلملم نفسه استعدادًا للنزول وأخذ يحرك يده في جيبه كي يخرج القيمة فقط. نزل من السيارة بعد أن سحب حقيبته من الكرسي الخلفي، واستلم ثلاثة الجنيهات الباقية. قبل أن يستدير لينطلق وسط الأكداس البشرية الملونة قال له السائق:
- هل تريد شقة؟
تردد في الإجابة وقال: ربما.
ناوله (الكارت) وقال: إن احتجت لشقة رخيصة ومريحة كلمني على هذا الرقم. إن ذهبت لوحدك سيغشونك. يرفعون لك السعر ويتظاهرون بالخضوع لرغباتك في السعر فيخفضون لك من الزيادة التي وضعوها. اتصل بي وأنا على استعداد لخدمتك. شقة. تغيير عملة. توصية. فرفشة. أي شيء … وأشار بيده التي تداعب حبات المسبحة إلى أسراب البنات المنتظرات أمام مدخل الجامعة ينتظرن الحافلات، والأهل، والسائقين، والأصدقاء.
- إن احتجتك سأكلمك.
دفع الباب وغاب وسط سرب من طيور (الوحواح). في الداخل استلموا الأوراق وطالبوه بكشف الإيدز من القصر العيني القديم. أخبره أحدهم أنه سيتطلب أيامًا إلا إذا (صلّح نفسه). لم يفهم المصطلح. تغيَّر مخططه في العودة السريعة. غادر الجامعة. قرر تأجير شقة. سأل عن الأحياء التي يمكنه أن يؤجر فيها، تلقى إجابة حيرته. بإمكانك أن تؤجر في أي مكان في مصر لكن ليس بنفس القيمة. انطلق على غير هدى مع شارع طويل. وقف لدقائق فوق كبري الجامعة حركة المياه والريح أشعرته بشيء من الارتياح. أخرج منديلاً مسح به وجهه وعينيه، واستمر في سيره. مر أمام أبراج سكنية. صاح البواب: تفضل. وهرول نحوه. أمسك بحزام حقيبته. حاول أن يحملها. اصعد وتفرج. عندنا شقَّة مريحة ورخيصة. لن تجد خيرًا منها. تجد فيها كل شيء. تكييف. ماء ساخن. مصعد. تليفون. أثاث جديد. ريسيفر. وستصلك كل طلباتك... وقع تحت سيطرة الإلحاح. صعدا إلى الشقة. سأله عن السعر. لم تعجبه، أسرَّها في نفسه: الشقة جميلة. تحايل بأعذار ملفقة للخروج. فأخلى سبيله ليوقعه في يد غيره ليضمن حق (السمسرة) وهذا لم يتركه إلا في يد ذلك. وذاك في يد غيره الذي كان أشهى طعمًا، وأطرى لسانًا. فكال عبارات الثناء والمديح "أهلاً بالناس الأصول. آنستم. شرفتم. وأوضح أنه كان يعمل في بنغازي وله معارف. وأنهم أحسن الناس. أردفها بأطنان من الشكوى والأنين. وزيَّنها وصدَّق عليها بأغلظ الأيمان. وأن طلبات العيال والنور والمواصلات لن يكفيها المبلغ البسيط، والحسنة الطفيفة التي ستبقى له. بعد الشغالة والأمن، والقمامة والصيانة والكهرباء والتليفون و...
- إن الشقة جميلة كما قلت. لكن السعر فيه زيادة.
- بدون أي مبلغ اسكن علينا. أنت تستحق أن تسكن في عيون كل المصريين!!!.
- شكرًا. لابد أن تخفض السعر.
- لعينيك سوف أخصم ثلاثين جنيهًا. هل أنت راضٍ؟
- اتفقنا.
- أعطني جواز السفر كي نكتب العقد.
- هيا ننزل سويّا وسأصوره لك وأعطيك نسخة.
في صباح اليوم التالي ذهب ليسأل عن مكان كشف الإيدز. دله البواب. أوقف له التاكسي. لم يكن بعيدًا بعد ثلث ساعة توقفت السيارة. ونطق السائق. هذا هو المكان. دخل من باب كبير. سأل عن مكان الكشف. اتجه نحو المكان الموصوف. وجد بعض الواقفين عند الباب الداخلي. سأل الجالس أمامهم عن الإجراءات والقيمة والموعد. لم يسمع إجابة. لكنه أحس بحركة تشد قميصه. طلب منه أن يأتي. سلم عليه. كان السلام مطابقًا للهجته. تنحيا جانبًا. تعارفا. أجابه عن سؤاله. وسأله عن وقت مجيئه، وعن مكان سكنه أخبره. سأله عن السعر.
- أمس. المنيل. مائة وعشرون جنيهًا.
- آه كم هو غالٍ!
- طلب مائة وخمسين.
- ليس هذا موقع المائة. أنت لم تسكن المهندسين أو الزمالك.
- لقد كنت حذرًا. صحيح أن الذئب الحريص يقع بأرجله الأربع. أحمق من يظن أن دموع التمساح علامة ضعف، وأن دموع المرأة تسليم بالأمر. سأذهب وأسترد مالي.
- انسَ الأمر.
- أرجو أن تقبل دعوتي للغداء. سنقوم بالكشف وبعدها سآخذك إلى مطعم نظيف. سنذهب إليه مشيًا. دفعا رسوم الكشف. وانتظرا دوريهما. أكثر من ساعة. سمعا مناداة على اسميهما واحدًا تلو الآخر. عُرّفا أن موعد استلام النتائج بعد غدٍ. خرجا وسارا في شارع طويل تظلله أشجار (الفيكس) بنايات عالية بواجهات منوعة، ومداخل رخامية تقف بشموخ. انحنيا إلى شارع فرعي. عرف سر شموخ البنايات. تتعالى على مبان خلفها قزَّمها الزمن. الرحلة الطويلة جعلتها تمد ألسنتها. شرفاتها تلفظ أنفاسها قبيل الأخيرة، وهي تذلها بفضح أمرها وإفشاء سر هوانها، والوشاية بعمرها الرذيل لكل زائر. وصلا المطعم. لمح أنه يتميز بالنظافة والهدوء. يوحي بحقبة المجد الكلاسيكي. تناولا غداءً شهيّا أعقباه بكوبي شاي. وانطلقا وهما يحركان أعوادًا تلاحق بقايا اللحم المشوي لتضعها في مقدمة اللسان. أوقف كل منهما سيارة (تاكسي) وسارا في اتجاهين مختلفين بعد أن تواعدا على اللقاء بعد غدٍ. جاء طارق في الموعد انتظر رفيقه فلم يأتِ. في الداخل أبرز الإيصال. ليستلم الكشف. تأخرت الفتاة قليلاً. عادت برفقة الطبيب. سأله:
- هل أنت طارق؟
- نعم.
- هل يمكنك أن تتبعني؟
- بكل سرور. سارا في ممر طويل في نهايته باب كبير من الألمونيوم بني اللون. دخلا. رأى عددًا من الأطباء. طُلب منه الجلوس فجلس. قال أكبرهم:
- اسمع يا بني. نحن مضطرون لإعادة الكشف.
- يعني أن أبقى ثلاثة أيام أخر.
- للضرورة.
- ليس معي ما يغطي قيمة الإيجار.
- الصحة أهم.
- ماذا قلت: الصحة أهم. ماذا تعني يا دكتور؟
- أعني ضرورة التأكد من النتيجة التي أظهرها التحليل.
انتصب وقال بصوت يرتجف:
- ماذا تقصد؟ أفصح. أفصح أرجوك.
- بصراحة يا بني. التقرير يشير إلى أنك تحمل فيروس الإيدز.
صمت رهيب أطبق على المكان. التصقت السماء بالأرض أمام عينيه. ضاقت الأرض بما رحبت. والنفس بما حوت. لم يعد يسيطر على قواه. خرَّ على الكرسي مغشيّا عليه. اجتمع الأطباء حول الكيان المنهار. رفيقه في الخارج ينتظر. طلب من موظفة الاستعلامات نتيجة الكشف. استلمت الإيصال. طابقت الاسم. ناولته تقريره. استدار ليغادر لكنه عاد أدراجه ليسأل الموظفة عن شاب متوسط الطول. هادئ. عسلي العينين. ضامر البنية. يرفع ياقة معطفه. سألته:
- هل اسمه طارق؟
- نعم. هل جاء إلى هنا واستلم تقريره وغادر؟
- هل تعرفه جيدًا؟ هل هو قريبك؟
- إنه من بلدي. التقينا هنا. ما الأمر؟
- لديه مشكلة. هو الآن بالداخل مع الأطباء.
- أي مشكلة تعنين؟
- نتيجته إيجابية.
- ماذا؟ إيجابية!
- يعني أنه يحمل فيروس الإيدز.
- صعق الرفيق للنبأ. طلب منها أن يراه.
- سأستأذن الطبيب.
عادت بسرعة مهرولة: إنهم ينتظرونك.
وصفت له المكان. طرق الباب. رأى طارق على الكرسي والأطباء من حوله. يضع أحدهم زجاجة المطهر عند أنفه. سأل:
- ما أمره؟
- عندما أطلعناه على الحقيقة نزولا عند إلحاحه ولكي نقنعه بضرورة إعادة الكشف؛ انهار وسقط كما تراه.
- افعل شيئًا يا دكتور.
- سأفعل. ولكن قبل ذلك. علينا أن نسحب كمية من الدم لإعادة التحليل.
أمر أحدهم بذلك. وطلب من آخر تجهيز حقنة مهدئة. وتوجه بالخطاب إلى رفيقه:
- ليس سهلاً على المرء أن يعلم قرب نهايته. الحياة غالية. وتكون عند الطامحين من الشباب أغلى. ما أصعب أن يصاب شاب بالإيدز فتأويل الناس لسبب الإصابة ووضع الاتصال الجنسي غير المشروع كمسبب أول ورئيس، وهناك من يرى – لمحدودية الثقافة - أنه السبب الوحيد. وهذا ما يجعل درجة تعاطف الناس تقل. وتفقد المريض احترام المحيط. وموت الجسد أهون عند المرء من فناء الإحساس، ووأد الشعور. فالمرء إن جردته من الشأو المعنوي لم يبق إلا لحم ودم. مما يفقده تميزه عن الحيوان.
- نعم هذا صحيح. ولكن علينا التأكد، وإن شاء الله ستكون النتيجة سلبية.
- اطمئن. عليك أن ترتاح. سننقله إلى غرفة مجاورة، ونضعه تحت المراقبة. لا نستطيع أن نتخلى عنه لنواحٍ صحية، ونواح ٍ أمنية. في المساء سنعرف النتيجة.
غادر الرفيق المستشفى وهو قلق بشأن طارق. صحيح لم يعرفه إلا من يومين ولكن المسقط الواحد ألَّف بين قلبيهما، كما أن سمة الطيبة والخلق النبيل بادية على وجهه، وفي نبرات كلامه. كما أنها انعكاس لبيئته.
بعد ساعة من وضعه في غرفة الإنعاش أفاق ليجد نفسه محاطًا بالألوان البيضاء. سأل عن مآله. تبسمت ممرضة جميلة في وجهه وقالت:
- مآلك الخير. فقط عليك أن تتذكر أن الله محبة.
صرخ:
- أخبروني ما هو مصيري؟ أريد أن أعرف حالاً. أريد أن أعرف. وانهار باكيًا. يشد شعره. تلاحقت حوله أيدي الواقفين لمنعه من أذية نفسه. وأخذوا يطمئنونه. ولا شيء يمكن أن نعتبره نهائيّا قبل أن نعرف نتيجة إعادة التحليل.
يحاول فك طوق الأيدي. قرروا حقنه بحقنة مهدئة مخففة.
سأل موظفة الاستعلامات عنه. أخبرته أنه تحت السيطرة وهم ينتظرون النتيجة. طلب أن يراه. سمحوا له. وجده تحت تأثير الحقنة. سألته الممرضة:
- هل أسرته معه.
- أجابها بالنفي.
أبدت أسفها مما جعله يتكهن بأنها على علم بنتيجة إعادة التحليل. تنبهت لسوء ظنه. طمأنته أن النتيجة لم تعرف بعد. ولكني آسفة لحاله في كلتا الحالتين. فالأثر السيئ لا ينمحي بسهولة. والصدمة ذات مخلفات طويلة الأمد على النفس. ولا بد من أن تنعكس في ردود الأفعال. فعندما ترى أحدهم يسحق وردة بقدميه، فإن الصورة ستعلق في ذهنك مدى العمر. وحتمًا ستؤثر على رؤيتك للحياة التي ستجد نفسك مرغمًا على التعامل مع تأثيراتها. ليس من السهل على الإنسان أن ينسى حدثًا يشكل كيانه بشكل مغاير للمرسوم. أو أن يجد نفسه فجأة عالقًا بخيوط شبكة الضياع. و.. قطع صوت الباب حديثها. الأنظار تعلقت لا إراديّا بالباب. تنتقل بسرعة البرق بين حركة شفتي الدكتور والورقة في يديه. عيناه تجوبان مشاعر الواقفين. سألهم. ألم يفق بعد؟ حاولوا أن تجعلوه يفيق. النتيجة السابقة كانت خاطئة. يبدو أن العينة لم تكن له. ارتفعت الصدور وانخفضت في وقت واحد. وتوحدت حركة الزفير حتى في درجة الصوت. كان رفيقه أشد فرحًا. مما جعل الدموع تخرج عن طوعه.
بعد اثنتين وعشرين دقيقة عاد لوعيه بدأ يراهم وكأنهم وسط تموجات من سراب. بعد دقائق تمكن من بيان هيئة رفيقه. قبض على أصابعه بقوة وبدأ في البكاء. همس: إن الكشف كان خاطئًا. لم يكن لك. التحليل الجديد أثبت خلوك من أي إصابة. تمسَّك بيده واستعان بها على الجلوس: ماذا قلت؟ قلت: إنك بخير وعافية. يبدو أن خطأ ما حدث. المهم أنت سليم معافى. نظر في الأطباء ومساعديهم نظرة تنطوي على مضامين عديدة. تقبلوها. وأبدوا اعتذارهم. وأسفهم على الضرر المعنوي. طلب منهم إعانته على الوقوف. غادر الغرفة متثاقلاً يستند إلى كتف رفيقه. سبقه الطبيب على موظفة الاستقبال وطالبها بأن تعيد إليهما ما دفعوه. وأخبرهم بأن المستشفى على استعداد لتحمل مسئوليته على الخطأ غير المتعمد. طلب طارق من رفيقه أن يرافقه إلى الشقة. لكنه طالبه بأن يذهبا إلى شقته. أصرَّ طارق. رضخ الرفيق. ما إن نزلا أمام العمارة حتى انهال عليه البواب باللوم والعتاب:
- كان من المفروض أن تسلِّم الشقة ظهر اليوم. يجب أن تدفع أجرة هذا اليوم. لقد ضيَّعت علي أكثر من زبون.
ضغط طارق على أصابعه واقتربت أسنانه من بعضها. تدخَّل الرفيق:
- لقد استغفلته أول مرة وأجَّرت له بسعر مضاعف، وتطالب بأجرة ساعات! ثم إن الرجل كان في المستشفى، ووقع عليه ضرر. لم يتأخر بإرادته.
- وأنا أيضًا وقع عليَّ ضرر. وما علاقتي بمرضه؟
انفتح المصعد، صعدا. جمع حاجياته المحدودة من الشقة. وضع كل ما في الثلاجة في كيس وقرر حمله معه على الرغم من نيته السابقة في تركه للبواب. غادرا العمارة ولعنات البواب وكلامه البذيء يلاحقان سمعيهما. طارق يحاول الرد عليه لكن رفيقه يمنعه. لقد تعود على هذا الأسلوب.
طلب منه أن يرافقه إلى سكنه. لكن طارق الجريح قد قرر أن يغادر. أدرك أن تحقيق طموحه في هذه العاصمة يتطلب تغيير نمط سلوكه. وأن نفسيته المنهارة لن تمكنه من الاستمرار. كما أن مكان الوجع صعب أن يكون موقع الفرح. لقد طعن في صحته وكرامته ونظرته إلى الناس. لقد حمِّل أوزارًا لم يكن في باله شيء منها. أوزارًا عبثت بأساسيات وجوده. كان حلمه أن يبدأ في القاهرة حياة جديدة. لا أن يفقد المناعة. حاول الرفيق المخلص أن يثنيه عن قراره. ساعات المعرفة بينهما قليلة لم تمكنه من معرفة أن طارق إن قرر الانزواء عن شيء من الصعب أن يعود إليه. يحرص دائمًا على عدم الخطأ في حق الآخرين، لذا لا يغفر أي خطأ في حقه. وهذا شأن كل حليم. غضبه ليس كغضب الآخرين. حاول أن يقنعه بأن ما حدث أمر عابر. سحابة صيف. ليس كل الناس هنا كالبواب. لا ينبغي أن تحكم على الكل بخطأ واحد. لا تأخذ الجميع بجريرة فني التحاليل. لقد بذل المسئولون في المستشفى جهدهم لإصلاح الخطأ. لا ينبغي أن تعكر أول صدمة في دربك صفو طموحك. لم يثنه هذا الكلام عن عزمه. سأسعى – بإذن الله - إلى تحقيق طموحي ولكن ليس هنا. حضنه وطلب منه أن يسامحه. فطلب أن يرافقه إلى المحطة. لكنه رفض. عليك أن تعود. أقسم عليه أن يقبل مبلغًا حضَّره له. أذعن للطلب. أوقف تاكسي. ولوَّح لرفيقه وانطلق إلى ذات المكان الذي وصله أول مرة. جهز في يده اثني عشر جنيهًا. وقف التاكسي أمام المحطة. أنزل حقيبته. ناول المبلغ للسائق. أخذ منه ثلاثة جنيهات وأعاد له الباقي. هذا هو حقي. افرد أصابعه على استقامتها ونظر في أطرافها بتمعن. غاص في الزحام. حجز تذكرة العودة. صعد القطار. غادر المكان وهو يحمل بين ثناياه نفسًا كسيرة هدَّها غير المتوقع...



يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:26

6

الفطرة
كمال الذي لم يعرف غير المدينة وجد نفسه مجبرًا على خوض تجربة البيئة الصحراوية. المصلحة العامة يتطلب تحقيقها أن يقضي خريجو معاهد المعلمين السنتين الأوليين بعد التخرج خارج مدينتهم في الضواحي البعيدة لاسيما الدواخل والمناطق النائية عن المدن لأنها تعاني نقصًا في المعلمين مرده إلى أن أهمية مواصلة التعليم تأتي في المرتبة الثالثة بعد الرعي والزراعة، كما أن عدم رغبة أبناء هذه المناطق في البعد عن بيئتهم، والسفر إلى بيئة أخرى يجهلونها شكَّل سببًا إضافيّا، وأثّر سلبًا على شخصياتهم. حتَّم هذا الأمر على القائمين على العملية التعليمية ضرورة البحث عمن يؤدون هذه المهمة من المناطق الأخرى، وقد تكون البعيدة. هذه الحتمية هي التي جاءت به إلى هذه المنطقة الموغلة في الصحراء بمسافة تبعد عن البحر بأكثر من مائتين وأربعين كيلو مترًا. تضايق في بادئ الأمر من بعد المسافة عن الأهل، والتفكير في مصاريف التنقل، ولقاء الأصحاب – وخاصة "عماد" الصديق الشقيق - في سهرات الصيف على شاطئ البحر، والاسترخاء فوق الرمال البيضاء الناعمة، والأمواج الهادئة تضرب راحتي قدميه، وقد كان يتخذ من البحر ملاذًا من صخب الحياة وضجيج الناس والسيارات، وهروبًا من مشاكل جاره المتعددة مع والده بدون داعٍ، وكيف أنه يضطر يوميّا للتدخل ومنع إخوته من ردة فعل على تصرفات جارهم. لكن درجات الضيق بدأت تقل بشكل متسارع مع أول تعامل مباشر مع أولياء أمور التلاميذ الذين تفوق أعمارهم المراحل الدراسية بكثير وبخاصة البنات. وكيف أن هذه المعاملة أشعرته بأنه لم يغادر بيئته، لقد كان حقّا بين أهله وشعر بالود الحقيقي الغائب عنه في المدينة، وعرف أن كل خدمة له تقدَّم دون مِنَّة. بكل رضًا وقناعة وخاصة خبز (التنور) الساخن في المساء، واللبن الطازج، والبيض الوطني، والدعوة إلى كل وليمة، وهذه الأفعال لا تشكل شيئًا مع الاحترام والتقدير الذي يكنُّه له الجميع، وتسابق الجميع على التعلق به. وفوق كل هذا السكون الذي كان يفتقده، والابتعاد عن المشاكل، والأفكار الساذجة التي يجد نفسه مرغمًا على سماعها في لقاء يجبر على حضوره، لقد كان يشمئز من تفاخر البعض باقتناء آخر أغاني "مطربي الغرب"، أو أنه شاهد آخر أفلام "هوليوود"، وهم لا يعرفون شيئًا مما يقول، أو التناحر من أجل مباراة للبرازيل أو الأرجنتين. لم يعكر صفو هدوئه إلا تفكيره فيما قد يحدث بين أهله وجيرانهم، لكن دائمًا ما يطمئن نفسه بقناعته أن أهل الخير لن يعدموا. شكَّلت له الصحراء بطيورها الثابتة الشكل والتصرفات، ورمالها التي لا تسبب أي تأثير على نظافة ملابسه، والفضاء الرحب الواسع الذي لا شيء يمكن أن يقيد حرية البصر ويمنعه من الانطلاق أنَّى شاء. ثغاء مواشي هؤلاء الأهل الجدد في غدوها ورواحها، شكَّلت له عالمًا آخر كان قد مقته عند استلام قرار تعيينه في هذه المنطقة، عالم ممتع ومريح لا يريد الانفكاك عنه. كان يتمتع بالعلاقة القوية التي ربطته بتلاميذه وطاعتهم المتناهية له. والمفاجأة، أنه وجد نفسه - وهو الذي جاء مُعَلمًا – تلميذًا لتلاميذه، فقد توصل إلى حقيقة أنهم يعرفون عن الواقع أكثر مما عرف في دراسته، وأن بإمكانهم فعل أشياء لا يمكنه الجرأة على فعلها. أدرك أن الممارسة هي أنجع وسائل المعرفة، والمعايشة أكثر فاعلية في حسن التعامل وكيفيته؛ فهو لا يستطيع - مثلاً – الإمساك بجمل، أو حلب ناقة، بينما يرى تلاميذه يفعلون ذلك بذات السهولة التي يمسك بها قلمه ويكتب رسالة لصديقيه في المدينة (عماد وطاهر). يعامل الجميع بلطف ميَّزه عن بقية زملائه، وجعله مثار إعجاب من يتعاملون معه، ومدار حديث الأبناء والبنات مع أهلهم.
كانت (مبروكة) تستمع لأحاديث أختها "مريم" وهي تحكي لأمها عن أستاذهم، وكانت براءة "مريم" تضفي وصفًا ملائكيّا عليه. تسرد كيف يتعامل معهم بحنان. لقد كان يعاقب المخطئ بقسوة الأب وحنان الأم، ثم كيف يُطيِّبُ خاطره بأنه عوقب من أجل أن يفلح لا من أجل أن يرى الآخرون دموعه، وكيف أنه يتسامح مع المخطئ حين يصدق ويقر بالخطأ، وكيف يبغض الكاذب المهمل، ويحاول تغيير صفته. تعلقت به مبروكة التي أوقفت عن الدراسة قبل أن يأتي بثلاثة أعوام لحاجة أهلها لخدماتها؛ فهم لم يرزقوا الولد، وأخذت ترسم أحلامًا وردية عبر صدى حكايات مريم. تتصيدها حين فراغها لتسألها عن شكله وعمره وطبعه، وتلتهم أذناها كل كلمة تطلقها شفتا مريم. لقد تمادى الأمر فأصبح قلبها هو الذي يسأل وهو الذي يستقبل الكلام، ومن ثَمَّ أمسى عبق الرجولة يسحر قلبها ومشاعرها. كانت تضجر من مهمة رعي الماعز في الجوار فغدت تهتم بها وتكثر منها، وتبتعد عن المحيط السابق، بل غيَّرت خط سيرها ليمر بالقرب من المكان الذي يسكن فيه بجانب المدرسة، وتقترب يومًا بعد يوم كانت تراه كل يوم يجلس في المساء في ظل الدار وبيده كتاب يتصفحه. أخذت في الاقتراب رويدًا رويدًا، ويومًا بعد يوم. في هذا اليوم كانت شحنة الجرأة قوية جعلتها تقترب لمسافة أمكنته من رؤية أسنانها التي لمعت خلف ابتسامتها المفتعلة على الرغم من أنها لم تعانق فرشاة أسنان منذ ظهورها، فطبيعة الأكل ساعدت على الحفاظ وعوضت عدم العناية.
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- أمي أرسلت لك هذا اللبن وهذا التمر وهذه الخبزة الساخنة. "أمها لم ترسل شيئًا ولم تعلم به".
- شكرًا لكِ ولها.
- هل تريد شيئًا.
- لا شكرًا. الخير كثير.
- مع السلامة.
- آه. ماذا تقرأ؟
- أقرأ في كتاب عن تاريخ العرب في الأندلس .
- مع السلامة.
أنهت حديثها الأول معه، وانطلقت وراء مواشيها المؤلَّفة من سبع وعشرين عنزة، منها ست عنزات بيض اللون، وإحدى عشرة سوداء والباقي بين اللونين، بالإضافة إلى صغارها وذكر الماعز القوي البنية قوي الصوت وبدون قرنين، وثمانية من الضأن، بصغارها، ولم يكن معها ذكر، فالحي فيه كبشان يستعاران عند الحاجة، وفي الغالب يتطفلان بدافع الغريزة. ومن العجيب أن ساعة الحاجة إليهما في فترة التزاوج يسمح لهما صاحب الإناث بالمشاركة في الأكل، وعند انقضاء مهمتهما لا يتوانى عن طردهما وبأقسى الوسائل وقد يرميهما بحجر ضخم، لا يبالي أين يقع الحجر. لم تصدق أنها رأته وتحدثت معه. وتيقنت أن "مريم" كم كانت مقصرة في وصفها بعد كل ما قالت. لم تكن قد تكحلت عيناها برؤيته، كانت تراه بأذنيها، اليوم فقط رأته بكلتيهما. لحقت بعنيزاتها وتركته يجول في أرجاء قرطبة.
كانت تضعها في مكان به بقية عشب وقش وتظل تقضي الوقت في مراقبتها حينًا، واللعب بالرمل حينًا آخر، تدخل أصابعها في كومة من الرمل ثم ترفعها وتراقب انسياب حبيبات الرمل من فُرَج ِ أصابعها، أو تخط على الرمل بعض الكلمات التي درستها وتكاد تنمحي من ذاكرتها، وفي بعض الأحيان كانت تراقب ذكر الماعز وهو يطارد الإناث في عمل غريزي فطري، وتستغرب من أن بعضها كانت هي التي تسعى وراءه. تستميل عملية المطاردة بصرها ثم سمعها ثم كل حواسها، فتتابعها من بدايتها حتى مرحلة الشبق، وما يتبعها من شعور يطفو في تصرفات الأنثى بعد تمام العملية الجنسية. كل هذا كان يحرك فيها رغبات فطرية كامنة.
تكررت في الأيام اللاحقة مناورات القرب واللقاء، وأصداء صوت ذكر الماعز تتردد في سمعها. وذات يوم علمت بالمصادفة من مريم، أن رفاقه غادروا جميعًا لزيارة أهلهم، وأنه الوحيد الذي بقي. ساقت قطيعها أمامها باتجاه المكان المحدد سلفًا. تقودها إليه رغبتها في اللقاء. اقتربت من مكانها السابق فلم تره في المكان المعهود. فكرت في أن تطرق الباب لكن الحياء كان أكثر حضورًا، فأبقاها في مكانها. لحظات وفتح الباب خرج المنتظر. وقف أمام الدار. رآها واقفة ألقت السلام. ردَّ السلام، وبلا وعي منها سارت نحوه اقتربت جدّا منه، كررت السلام ثم مدت يدها سلمت عليه وراحت في تأمل عميق سحب يده بقليل من الجهد، وقفت متسمرة أمامه لا تدري ما تقول. بدون وعي أيضًا مدت يدها إلى أعلى رأسها، أزالت عنه الوشاح فسقطت كتلة ناعمة من الشعر الطويل غطت كتفيها وصدرها، وتكشَّف وجه كالقمر في الليلة الثالثة عشر لا ينقصه إلا عناية المدينة وما تعج به من منظفات ومرطبات. خطت خطوة إلى الأمام ألغت كل فراغ بينهما، كلُّ شيء فيها كان يهتز بفعل جموح الفطرة والرغبة. لم تتمالك نفسها. طوقته بكلتا يديها عرف أنه وقع في موقف حرج. في لحظات متسارعة فكَّر في سمعته في المكان وعلاقته بأهل القرية، وثقتهم المتناهية فيه، ولم يغب عن تفكيره أنهم قد يغفرون أي شيء إلا المساس بالشرف. بجهد بالغ فك حصارها وخطا خطوتين إلى الوراء، ولكن سرعان ما عاد إلى مكانه ليحول بينها وبين الوقوع على الأرض، أمسك بها حتى أوقفها مع الجدار، والخوف يملأ قلبه خشية أن يراه أحد فيظن ظن السوء. حمد الله أن استفاقت:
- لم أتوقع منك هذا التصرف.
قالت في خجل مفرط: اعذرني ولا تظن أني سيئة. أنا أيضًا لم أتوقع أن أفعل ذلك.
سحبت نفسها على غير قدرة منها، صاح وراءها: لقد نسيت الوشاح.
وقفت مكانها. بادر بالسير نحوها. أعطاه لها فوضعته فوق رأسها على عجل.
بعد مغادرتها بدأ الذهول الذي أصابه يتلاشى، ولكن تساؤلات أخذت تحل مكانه: لِمَ أقدمت على هذا؟ من أين لها هذه الجرأة المباغتة؟ ما الدوافع التي كانت وراء هذا التصرف؟ إنها – بالفعل – ليست سيئة كما قالت: نعم هي ليست سيئة. لا يمكن أن تكون مثل جارتي رغدة التي تنصب لي الشراك في كل حين وتتحرش بي بطرق واضحة ملتوية استقتها من الأغاني والأفلام والمسلسلات ومجلات الإثارة. أعلم أنها تعرف عني الكثير من حكايات "مريم" الصغيرة، فقد سبق لها أن قالت: إنها دائمًا تحكي لأختها الكبرى عني. تساؤلات وأفكار دارت في ذهنه جعلته يتعاطف معها لا أن يغضب منها. إن نيته سليمة تجاهها وكذلك تجاه الفتيات. إنه يتمنى صادقًا أن يساعدها فالظروف التي وضعها فيها أهلها أسهمت عن غير قصد في حالتها، لم يُقدِّروا أن الفطرة سلطان جامح، وأن الحرمان يضعف حصن المقاومة. لا أحد يدرك أن أنفاس رجل دافئة قد تُذهب عقل حسناء راشدة. وأنها كالمخدع الوثير في الشتاء القارص، وكالأغصان للأطيار. لم ينوِ مسايرتها والقيام بما يوحي بقبول عرضها، ويضمر عدم صدها والعبث بمشاعرها بغتة. إنه مدرك أن دوافع لا تسيطر عليها هي التي تجرها، وتذكر قولاً قرأه لـ (رونالد بارتلم): "إن الناس لا تتصرف بوحي من دوافع عقلانية، بل استجابة لنزوات ونزعات عابرة لا واعية". لذا لا ينبغي تركها فريسة لغريزتها لتكون مثل عنيزاتها لقمة سائغة للذئاب بمجرد الغفلة عنها أو حين تقترب من أوكارها، وهو يعلم جيدًا سلوك رفاقه، لن يفوتوا فرصة كهذه. لن يقبل أن تكون ضحية ما فرض عليها، وأن يكون ذووها أسرى العار.
لقد تذكر وهو يرمق طيفها يبتعد شيئًا فشيئًا كما هو قرص الشمس العبارات الأخيرة لأمه وهي تضع له الدقيق المؤلف من خليط القمح والشعير، والكسبر والكمون وقليل الملح. والكعك قليل السكر: اعتن ِ بنفسك فالجو بارد هناك في الليل ولا تمشِ في الأرض حافيًا فقد تباغتك حشرة سامة أو أفعى، ولا أوصيك عن كيفية التعامل مع الناس فأنت تعرف ذلك. توارت مع الشمس وسط خيوط الشفق المنعكسة على بياض الأرض الذي بدأ يفقد لونه. توارت وراء كتلة من الرمال احتجزتها نباتات (القطف) وحالة الشبق الناشئة من التصاق الشمس بالأفق. تسير بتثاقل وقطرات الماء المندفعة من الإبريق قد رسمت خطّا متعرجًا فوق أثر قدميها.
لم تبت ليلتها كالمعتاد. عانت من استهجانها لتصرفها، ورغبتها الجامحة التي أنستها كل اتزان، وعانت من مداراة حالتها النفسية الصعبة عن أهلها؛ إنها في صراع مع دموعها. لحظات عديدة كاد ينفلت منها زمام الأمر ويظهر صوت بكائها. قالت في نفسها: لا بد أنه الآن ساخط علي، ويحمل لي صورة أخرى غير التي كان يكنها لي. هل سيقدر أني بنت لم تُراعَ أنوثتها وسلبت منها أحقية المعاملة كأنثى وعوملت كذكر، لم يفكر أحد في أن الأنثى أكثر حساسية تجاه الأمور الحياتية من الرجل، لا يبالي أحد بما تعانيه بنت في سن المراهقة وهي تتابع هياج ذكر الماعز وصوته المدوي في أوصال الشهوة لديها، وما يتبع ذلك من ملاطفة ثم إشباع. آه من قسوة الحياة.
لا تختلف مبروكة عن سهام إلا في النبت والبيئة فهي فتاة مثلها تكاد تخالطها في العمر. لم تكن الفاعل، المحيط هو المسئول عن تصرفاتها. لقد فرض عليها أن تكون بعيدة عن مجتمع الرجال، والفطرة تنص على أن البعيد أقرب إلى النفس كثيرًا من القريب المألوف، كما أن الرغبة في المحجور قوية. بُعْدُها عن صنف الرجل جعل الرجل أكثر حضورًا في عاطفتها التي تجد كمّا من المساحة لا تأثير للعلم المحدود فيه ولا سلطان. وأصبح تأثير التكوين أكثر إلحاحًا، ساهمت حرفتها في تصاعد جذوته. في حين أن سهام مكَّنها القرب من الرجل من تجاوز الاندفاع المهووس نحوه. قاربت سنوات الدراسة بينها وبين هذا المرغوب غريزيّا فحدث نوع من التفريغ الشهواني الفطري تجاه هذا المكمل لدورة الحياة. إنَّ القرب من الشيء يقلل تأثيره، وربما يلغي فعله؛ حتى المحسوس عندما يُدرك يفقد جزءًا من حساسية لصالح المادية. والبقاء في دائرة الضوء ينسي الشعور بالظلام. واللحظات التي تعقب اللذة تجعل التفكير فيها أمرًا غير محبب. فكلما زادت درجة الاقتراب كلما تلاشت حدة التأثير؛ فرائحة الشِّوَاء لا تثير الشَّوَّاءَ بقدر ما تثير العابرين. سهام وإن فكرت في الطرف الآخر فعلى أساس الارتباط الذي يجلب الاستقرار. ليس عدلاً حياتيّا ولا منطقيّا أن يُبنى صرح على أساس اللذة. بينما مبروكة ولأسباب ترجع لفارق المخزون العلمي بينها وبين سهام انجرفت وراء فطرتها الشهوانية الجامحة لتنشد الاستقرار. لكنها ليست بالسيئة. واقعها هو الذي فرض نمط أسلوبها وكيفية تعاملها مع متطلبات تكوينها كأنثى. بيئتها التي تعيش فيها تعتد بالأمور الفطرية وتكن لها قدرًا وافرًا من الطاعة. لا يسعى أهلوها للتغيير فيها أو التبديل لها. يرون أن المساس بالشأن الفطري عبث ومفسدة لمتعة الأشياء، وذهاب للذتها. كانت سهام قد التقت كمال مرات عدة. والتقت نظراتها بنظراته. الحياة منحتها خبرة في تحديد أنماط نظرات الرجال. بين نظرات الغدر، ونظرات الشفقة، ونظرات الاستحواذ، ونظرات الإعجاب، ونظرات الاحترام. تدرك تمامًا أن نظراته من الصنف الأخير؛ فهو شاب متزن، مراعٍ لمشاعر الآخرين، حفيظ لعهودهم. تقر في نفسها أنه لا يمكن لها رفض كمال إن صارحها برغبة صادقة في الارتباط بها. لكنه لم يفعل أو لم يلمّح. مما جعلها لا تفكر فيه إلا كشخص يكن لها احترامًا خاصّا، ويعاملها معاملة طيبة. في وسط آخر شكَّل لمبروكة بعدًا آخر، فقد عنى لها تحقيق الحياة، والشمعة المتوهجة في ظلام صراعها النفسي. عنى لها ماءً يتدفق في أرض جدباء تشقق أديمها لغياب عنصر النشور. عنى لها حدّا لانبعاثات الشهوة كلما اقترب ذكر الماعز من إناثه. في الوقت الذي تسعى فيه سهام لوضع حد لعذاباتها الناشئة عن وضعها التي فاق تأثيرها الرغبة الكامنة في كيان أي مخلوق، فالتبادل العاطفي سنة الحياة، لا يقتصر على البشر دون سواهم من المخلوقات الأخرى. هو في الطير. في الزواحف. في الحشرات. في الدواب، كما في البشر الذين هم جزءٌ من هذه الدواب. حتى النبات يحتاج التبادل العاطفي ليضمن استمرارية الجنس. لكنه عند الكائن الإنساني رهن بالعامل النفسي بالإضافة إلى المؤثرات الأخرى التي تدفع نحوه بجموح يعمي البصيرة.
في اليوم التالي اعتذرت عن الرعي وكذلك الذي يليه. في الثالث ذهبت ولكنها لم تقترب من ذات المكان السابق ابتعدت لتعطي مساحة واسعة لمراقبة تفاعلات الحدث السابق. وقد زاد تعلقها به لنبله وتحكمه في نفسه وهو شاب مثلها. فكرتان تزاحمتا في عقلها كل واحدة تشدها إليها. الأولى: أن تبقى في هذه المسافة ولا تحاول الاقتراب، والثانية: تقترب لتمنح نفسها الفرصة كي تشرح ما حدث. الثانية أقرب لأنها تتوافق مع رغباتها. لقد ساعدتها حركة العنزة البيضاء (قائدة القطيع) في تحقيق هذا المأرب. أخذت تجنح صوب المكان المبتغى، ربما وجدت في المرات السابقة بعض قطع الخبز وصارت تمني النفس بمثلها، لحقت بها وصارت المسافة تضيق حتى أصبحت في المكان السابق قبل ذلك اليوم لكنها لم تتكلم، كم كانت المفاجأة سارة عندما تناهى لسمعها قوله: كيف حالك؟
لم ترد سريعًا وعندما عرفت أنه ينتظر ردها قالت:
- بخير. وأنت؟
- الحمد لله. أنا أيضًا بخير.
- لماذا لم أر قطيعك يرعى منذ يومين.
امتنعت عن الرد فقد عرفت أنه يعنيها بسؤاله. قال:
- صحيح أن ما حدث قد فاجأني ولكني أعرف أنك لست سيئة، أعرف أنك طيبة وبنت أصل. وعرفت دوافع ما حصل.
سرت هذه الكلمات فيها مسرى الدم؛ فأزالت ما في نفسها من خوف، وغادرت بسرعة على أجنحة الفرح، تأكدت أنه لم يرسم لها صورة سيئة في نفسه. ربما بعلمه وذكائه قد أدرك الحالة التي هي عليها. غادرت حتى دون أن تودعه كالعادة.
لحسن حظهما لم ينتبه أحد لهذه اللقاءات، وخاصة هو حيث إن مكانته بين الأهالي قد تتضعضع لو أن واحدًا ذكر شيئًا عن هذا.
مرت الأيام وهي تسبح في نشوة هذا اللقاء، ثم قررت اللقاء به مجددًا، لم تتجه إلى المكان مباشرة خشية أن يراها أحد وعندما تجاوزته أخذت في الانحناء صوبه إلى أن وصلت، وجدته جالسًا على صخرة أمام الدار: حيَّته.. ردها بمثلها.
اقتربت وهي مطمئنة، ظل جالسًا. قالت:
- إن حكايات مريم عنك وشهادة والدي فيك جعلاني أتعلق بك.
- أشكرك على هذا الشعور الطيب ولكن يجب أن أصون هذه الشهادة.
- صمتت ثم واصلت الحديث: وهل الحب اختراق للمبادئ.
- الحب ترسيخ للمبادئ، بل هو المبادئ عينها. إنما صيغة الحب هي التي قد تغير المفاهيم.
- الذي أعرفه أني أحبك.
- وأنا أيضًا. ابتهجت. أردف قائلاً: أحبك أختًا. أحبك صديقة. أحبك إنسانة طيبة.
- ومشاعري.
- مصونة.
- رغم هذا سأظل متعلقة بك. ستبقى رغمًا عنك. رغمًا عني في وجداني. هل ينقصك شيء.
- شكرًا.. تذكري أني أحترمك.
- وتحبني؟
قالتها وهي تغادر فرد بابتسامة، وقرر في نفسه أن يكافئها على هذه العفوية.
عماد في المدينة يواصل مساعدة والده في محل التصوير، لقد أكمل دراسته في المعهد الصناعي وهو يعمل في المحل، يساعد والده باستمرار فهو في العمل لا يجد ما يفعله، وينزعج من أسلوب المزاح الذي ينتهجه رفاقه في العمل وطريقة التعامل بين الجنسين. لقد اكتسب خبرة كافية حتى غدا المصوِّر الأول للحفلات الرسمية والاجتماعية. قليل الحجم، متوسط الطول. قمحي البشرة. يحلق لحيته باستمرار. يبقي على قليل منها حول الفم يشبه حدوة الحصان. لا يحب إضاعة الوقت فمن الضروري عنده أن يعمل شيئًا ولو بسيطًا. وعندما لا يكون لديه شاغل فإنه يلتقي بصديقه طاهر، الذي طالما يزوره في محل التصوير؛ فهو يشكل الضلع الثالث لمثلث الصداقة المكون من (كمال، وعماد، وطاهر) وغالبًا ما يبوحان لبعضهما باشتياقهما لكمال ويذكران أيامه بخير.
وصلت رسالة من كمال ترك العمل الذي بين يديه. فتح الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
كيف حالك يا أخي العزيز؟ ما هي أخبار أبي وأمي وإخوتي؟ والجيران، كيف حال طاهر ووالدته؟ نفسي تحدثني أن الجميع بخير. لدي إحساس أن كل الأوضاع عادية وأن الأمور بين أبي والجيران هادئة. لو تعلم يا صديقي كم هي جميلة الحياة هنا، البساطة في كل شيء، والوداعة هي عنوان التعامل، والطيور تعزف أنغامها على أوتار السكون، إني أشعر بارتياح في هذا المكان، لولا الشوق إليكم لقلت إنه ارتياح بالغ. عفوية الناس تشكل سمات هذا المكان وعنوانه، على الرغم من الفراغ إلا أنك لا تتأثر به. خبز التنور واللبن الطازج والبيض الوطني حلفاء للمعيشة هنا. الجولات الطويلة ساعة الأصيل، والفضاء الرحب، والراحة التامة عند القراءة والاطلاع تجعل النفس نقية، والذهن صافٍيًا؛ فأوقية استرخاء على الرمال هنا تساوي وسادة من ذهب هناك. هنا يا عماد تشعر بقيمة الحياة، وتعرف قَدْرَ الزمن. ليتك تأتي وتعيش هذه اللحظات قبل أن يسرقك العمر، ستشهد ولادة النجوم، وتودعها بكامل حواسك قبيل الفجر، وأنت تسحب الغطاء فوق جسدك الذي يداعبه نسيم الفجر البارد. أعرف أنك تكره الغطاء، ولكن البرد الحنون وهو يدغدغ أجفانك وأطراف أصابعك وكليتيك سيجعل للغطاء سحرًا تدمن عليه وينسيك درجة الرطوبة العالية. آه بالمناسبة عندي لك خبرٌ طيب يحتاج إلى جلسة. كيف حال أم نبيل ونبيلة. هل سألتك عني؟ بلِّغها شوقي وتحياتي. ولا تنسَ سلامي إلى الأهل، وأبلغهم أني سآتي بعد شهر ونصف. أرسلوا لي قصصًا ليوسف إدريس، وديوان الشنفرى الأزدي، وكتابًا لتعليم الطهي. إلى اللقاء. كمال.
في المساء مرَّ طاهر من أمام المحل. ناداه عماد:
- طاهر. طاهر.
- أهلاً عماد.
- تعال. لقد وصلت رسالة من كمال. يسلم عليك.
- ما هي أخباره؟
- بخير. ماذا يقول عن وضعه.
- خذ الرسالة واقرأ بنفسك. سامحني أريد أن أضع الفيلم في آلة التحميض. صاحبه ينتظر.
أخذ طاهر الرسالة وشرع في القراءة بكل تركيز، فهذه عادته أن يركز تركيزًا تامّا على ما بين يديه، ويدقق في كل شيء. وربما دراسته في كلية العلوم هي التي أوجدت هذه الصفة، لكنه حتى في الصغر كان يتميز بذلك، كما أنه يحب كل شيء مرتبًا وجميلا، يظهر هذا في اهتمامه البليغ بأناقته ونظافة شكله وترتيب شعره. فهو شاب وسيم أخذ وسامته عن أمه التي يقال إن دمها ينحدر من جزيرة (كريت). معتد بنفسه. كثير الاطلاع، يحرص على معاملة الآخرين بلطف وأدب، معجب بأصحاب الآراء الحكيمة ومن يدعون إلى الفضيلة، محب لأمه فخور بها. كتوم لا يُنتزع السرُّ منه بسهولة. سريع التأثر. ما إن فرغ من قراءة الرسالة حتى سأل عماد:
لم يذكر شيئًا عن كيفية ممارسته لعمله، ودرجة استيعاب التلاميذ، ومدى تعاون الآخرين معه؟ هل هي في مستوى خبز التنور واللبن الطازج؟ أو مثل القيمة الغذائية للبيض الوطني. ثم. من هي أم نبيل ونبيلة؟ ابتسم عماد وقال: سأخبرك. خرج من وراء المكتب، ورفع الباب المعد للدخول والخروج إلى مكان العمل بعد أن رفع الورقة المكتوب عليها (عفوًا. ممنوع الدخول). جلس بجانب طاهر وهمس:
- إنها صاحبته. عشيقته. تعوَّد كمال أن يقول هذا. دائمًا يتصور أنه قد تزوج بها - فهو يحبها منذ فترة طويلة، وهي تبادله ذات الحب – وأنجب منها أطفالاً. يقول: سيكبرون وأحضرهم معي إلى المحل فيعبثون بفوارغ أفلام التصوير، وستعجبك ابتساماتهم وتلتقط لهم صورًا للدعاية، وسنتفق على المقابل في حينه. قال طاهر:
- حلمه مشروع. أتمنى له السعادة. لكن يبدو أنه يريد أن يتصعلك. ليته يفعل فيكون آخر من يمد يده إلى الزاد عندما نلتقي على طعام. هل ستكتب له؟
- أجل. فقد أبلغني زميله الذي أحضر الرسالة أنه سيعود بعد ثلاثة أيام.
- أبلغه تحياتي وقل له: نحن في حاجة إلى سهرة بحرية، وعندما تعود سيكون الجو مناسبًا، وإلا سنجعلها صحراوية وتتحمل التكاليف.
عاد طاهر إلى البيت فهو – في الغالب – بعد المغرب مباشرة يكون في محيط السكن حيث تكون والدته لوحدها؛ فالموت لم يمهل زوجها إلا ثلاث سنوات بعد الزواج كان طاهر ثمرتها الوحيدة. فتح الباب تنبه لوجود أمه في فناء البيت وكانت الأنوار مطفأة. سألها:
- لماذا تجلسين في هذا الظلام؟
- ردت بتنهد: أخشى النور.
- بل قولي نور حل مكان نور.
ظلام المكان حال دون رؤيته دمعتين انفلتتا من عينيها وأخذتا تنحدران على خديها. مسحتهما بحرص وتصنعت الهدوء والطمأنينة ثم قالت له:
- ماذا تحب أن يكون العشاء؟
- ليس من عادتك السؤال. فأنت تعرفين أنني دائمًا أحب أن يكون العشاء من صنف البيض والحليب والأجبان. لكن لا عليك. سأُحضِّرُ العشاء حين أرغب في الأكل. مرَّ بالشجيرات والورود المزروعة داخل سياج المنزل وعرف من البلل في الأرض أنها لا تحتاج سقاية. لقد تذكر أنه سقاها منذ يومين. دائمًا يردد "لولا الأشجار لتنفس الناس ثاني أكسيد الكربون، ولما وجدت الطيور أين تبني أعشاشها". إن اهتمامه بالزراعة يعود إلى الصغر، لقد كان يمني النفس بالدراسة في كلية الزراعة. لكن ظروف والدته لم تكن تتوافق مع أمنيته دخل غرفة الجلوس وفتح التلفزيون ووضع وسادتين تحت مرفقه الأيمن وأخذ يتابع برامجه.
ليس بعيدًا منه وفي ذات الشارع الذي يسكن فيه جلس بعض التجار أمام دكان الحاج عمران كعادتهم كل مساء إلى أن يقطع صوت المؤذن في الجامع القريب منهم حديثهم الذي في الغالب يتناول جديد حوادث المدينة وأخبارها وخاصة الاجتماعية وحوادث العالم السياسية والعلمية وغالبًا ما يتناولون بالسخرية أوضاع الشباب من الجنسين وما آل إليه حالهم من تقليد للغرب في كل شيء سيئ فقط، وأن الأمور الإيجابية لا يلقون لها بالاً: كالنظام عندهم، وحبهم للبحث والابتكار والتطور. كان الحاج عمران هو من يبدأ – في الغالب – بطرح هذه القضايا وينتقد الخطأ بشدة. لقد عُرِف عنه أنه دائم النصح والوعظ والجميع يثق فيه بمن فيهم طاهر الذي يكن له قدرًا كبيرًا من الاحترام. يجلسون على هيئة دائرة يحيطون بطاولة قديمة تقف على ثلاثة قوائم وفوقها عدة شاي قديمة بجانبها كوب سعة اللتر قُطِع جزء من يده، ولطالما تعرضوا للنقد على هذه العدة، ولكن سر تمسكهم بها يرجع لعوامل روحية لا مادية، فقد ورثوها عن الحاج (خيرالله) صاحب دكان القماش الذي توفي قبل أربع سنوات وهو من أوائل التجار في هذا الحي.
قال الحاج عمران: إن شبابنا اليوم يلهث وراء مستجدات الأمور يفعلون أشياء لا يعرفون مصدرها ولا حتى شرعيتها. والسوء في تصرف البنات اللائي يذهبن إلى الجامعة وكأنهن يقصدن حفل زفاف. ويقمن بأفعال لا تليق بنواعس الأحداق.
قال أنور: انشغال الأهل وعدم مراعاتهم للتربية السليمة والحرص على متابعة بناتهم هو السبب في هذا الطيش.
رد طاهر متحمسًا: ليس في كل الأحوال. صحيح أن مراقبة الأهل واجبة ومثمرة، ولكن هناك تربية ذاتية، ووازع داخلي يردع المرء ويهيئ له سبل الرشاد. انظر مثلاً إلى سهام. ابنة جارتنا. تتمتع بحرية مطلقة. ليس لها ولي أمر يرصد تحركاتها، لكنها اتخذت من عقلها ومن أخلاقها ولي أمر. تسير محتشمة، سيرتها حسنة، مُجدَّة في دراستها. لا يمكن أن ترى على وجهها أي نوع من الأصباغ والألوان. ولا تراها في لباس يخدش الحياء مثل أخريات، إنها تتصرف من منطلق سلوك ذاتي يحول بينها وبين الزلل. أيد أنور والحاج قاسم منطقه: صدقت إنها مثال الخلق القويم.
ثمَّ أثنى الجميع بهز الرءوس وهم يتابعون حديثه، أضاف الحاج عبد الله:
- لكن أمثال سهام هن من يبقين في بيوتهن أمّا صاحبات الصخب الذوقي. السابحات في تيار الموضة سوقهن رائجة.
قال طاهر: هذا طبيعي مادام العالم كله يسبح هو الآخر في بحر الدعاية، ويقع تحت تأثير مخدر الزيف.
- نعم - قالها أنور - كزيف دعوات الغرب لتحرير المرأة. هم يرون الحرية من زاويتهم. أن يكون لها الحق في تعدد العشاق، وفي فعل ما تشاء، وهم في الواقع يسلبون حريتها الممنوحة لها أصلاً. هم حولوها إلى أداة دعاية. أباحوا جسدها، ليروجوا سلعتهم. ألا ترون الحرص اليوم على وضع صور فتيات جميلات أشباه عاريات على أغلفة المجلات؟ ألا ترون أن الترويج لعدم تقييد حركة المرأة هدفه تيسير جرها إلى أحضانهم وتسهيل الحصول عليها في أي وقت كقطعة الشوكولاتة ويعيبون علينا عدم مسايرتهم لما يسمونه حضارة. ألا يعلمون أننا من منح الحرية الحقة للمرأة. فتاريخنا مليء بأسماء المجاهدات والرائدات في كل المجالات. وأن قانوننا السماوي وقوانيننا الوضعية كفلت لها حقها في الميراث، وأعفتها من أعباء الإنفاق. هم لا يعلمون حقيقة أنسابهم؛ أما نحن فمطمئنون على أن أبناءنا من أصلابنا. أثلج القول صدور الحاضرين إلا قاسم الذي أخرج زفرة تأفف بسبب نبأ سمعه في قناة عربية يقول: "قامت مجموعة من الإرهابيين الإسلاميين بقتل سبعة فلاحين في الجزائر" لماذا يقرن المذيع العربي المسلم بين صفتي الإرهاب والمسلمين؟ كان يجب أن يذكر الإرهابيين فقط. تدخل الحاج (هارون):
- هذا حالنا. نهين أنفسنا لنثبت للغرب حياد إعلامنا ونزاهته على حساب الدين والكرامة.
ردَّ قاسم: وكيف نثبت للعالم أننا ديمقراطيون إنها مسخرة.
عقَّب الحاج عمران:
- الإذاعات الأجنبية في حالات الحرب تتحول إلى عدة من عتاد الحرب وتتناسى مواثيقها في الحياد. تزيِّف الحقائق عندما ترى أنها ليست في صالح دولها، وتختلق الأكاذيب لتظهرها في شكل ملائكي. انضم طاهر إلى المجموعة بعد أن غادرهم ذهنيّا وهو يفكر في سبب حزن أمه. وكان يجلس بجانب مفتاح المعروف بذي الشنب الأصفر من تأثير التدخين، فهو يدخن أربعة علب يوميّا، تدخينه المتواصل بدون مراعاة لشعور الآخرين وحقهم في الهواء النقي أجبر طاهر على نقل مكانه. مر (مختار) بالقرب منهم وهو يلتفت يمينًا وشمالاً، ويصدر صوتًا أشبه بالصوت الصادر عن أكل التفاح.
قال قاسم:
- مسكين مختار كان من أعقل الرجال. إن الذي حدث معه يُذهب أي عقل. وخاصة أن كل شيء لم يتحصل عليه بسهولة؛ فزوجته – يرحمها الله – أحبها أكثر من خمسة أعوام وطلبها أكثر من سبع مرات، ولم يتحصل على الموافقة في المرة الثامنة إلا بعد وساطة مشايخ المدينة، وبقي أربع سنوات بعد الزواج دون أن يعرف الولد، وقف فيها على كل المستشفيات – تقريبًا- وأكل أغلب الأعشاب التي وصفت له كعلاج. بعد هذه المدة رزقه الله بولدين في بطن واحدة، وبعدهما رُزِق ببنت، وبعدها بستة أشهر رُزِق بسيارة. شعر أن أحواله بدأت تتحسن وأن الحياة راضية عنه. لكن كان للقدر رأي آخر، فعندما كان عائدًا ومعه أسرته من زيارة عائلية لأقارب زوجته. فجأة انفجر إطار السيارة الأمامي، ولقلة الخبرة ضغط على الكوابح. مالت السيارة وخرجت عن المسار، وكان على الرصيف بقايا (شرشور) وقع من السيارات الثقيلة التي تسير بدون غطاء ساهم في اختلال التوازن. سقطت السيارة في جرف بجانب الطريق. تدحرجت أكثر من ثمان مرات. كان غطاء خزان الوقود ضائعًا، سُرِقَ من فترة ولم يشترِ بديلاً. تسبب تدفق البنزين في اشتعال النار في السيارة. تمكَّن من الخروج من السيارة. بسرعة عاد إليها لينقذ أسرته لكن النار كانت أسرع، والناس الذين هرعوا إلى مكان الحادث أمسكوا به ومنعوه. لقد أدركوا أن النار قضت على من في السيارة، وأن تركه يعني موته هو الآخر. لقد شاهد النار تلتهم أسرته التي تعب في تكوينها حتى قبل أن تتكون. من يومها وهو في هذه الحالة. يسير هائمًا على وجهه كل يوم يأكل في منزل، وأهل الخير يساعدونه، وراتبه لا يزال مستمرّا. العقل وحده هو الغائب. كل يوم عندما يحين وقت الصلاة يدخل المسجد ويجلس بالقرب من المؤذن، يقف وراء المؤذن وهو ينادي للصلاة، وعندما يفرغ من الأذان يمد يده إلى مفتاح الكهرباء الذي يشعل الضوء الأحمر عند البدء في الأذان ويطفئ هذا الضوء، ثم يقابل المصلين ويبتسم ابتسامة عريضة ويغادر المسجد. كان الله في عونه.
قال ذو الشنب الأصفر: ما الذي يقصده بعمله هذا؟
- رد طاهر: ربما يريد أن يعبِّر عن وجوده، وأنه لا يزال له دور في الحياة. ربما.
قاطع الحاج عمران الحديث: بما أن مختار ذهب إلى الجامع فمعنى هذا أن الصلاة قريبة. أدخل الأشياء في المحل يا طاهر (الله يرحم والديك) لنذهب إلى الصلاة.
بعد أيام وصل كمال عائدًا إلى المدينة بعد أن انتهى العام الدراسي بأسرع مما يتوقع بعد أن أخذ الراحة اللازمة التي أزالت آثار التعب بمساعدة الماء الفاتر وشامبو (الفوزين) المفضل لديه، خرج ليتفقد الأهل والجيران والأصدقاء، مر في البداية على الحلقة المسائية عانقه الجميع وطالبوه بأن يجلس ويشاركهم المفاجأة التي فجرها الحاج موسى، فلقد وصل إلى المجلس متأخرًا كعادته ولكنه لم يكن بمفرده، لقد اصطحب معه (بطيخة) وزنها سبعة كيلو جرامات. المفاجأة تكمن في كونه لا يحب أن يضع يده في الجيب، وهذا ما جعل الحاج عمران يعلق:
- لا بد وأن يكون أحد الباعة أعطاها له مجانًا.
عارضه هارون: لا تظلم الرجل لا بد وأنه اشتراها ممن يبيعون الخمسة كيلو بدينار.
- الستة وأنت الصادق.
تدخل خالد: يكفي أنها أحضرها ألا يعجبكم شيء؟! لنا أكثر من عشرة أيام نأكل خبزًا ونشرب شايًا مرّا. لقد تقاعستم عن تنفيذ شروط المجلس التي تنص على أن (العصور) كل يوم على واحد ولا بد أن يشتمل على نوع من المكسرات، والبسكويت الخاص بمرضى السكر. أسرع يا حاج قاسم وأحضر السكين ولكن اغسله أولاً ولا تكن كبائعي البطيخ يغرسون السكين في قلب البطيخة دون أن يغسلوه وقد تلوث من الغبار والذباب.
علَّق الحاج عمران: هذا صحيح إنه خطر على الصحة، ثم إنه خطأ حتى في الشرع. إن البائع لم يشترِ على (الموس)(*) كي يبيع على الموس.
عارضه الحاج قاسم: هو من يشترط على نفسه.
لم يَرُقْ هذا النقاش للحاج يعقوب مما جعله يصرخ قائلاً.
- أجِّلوا الفتاوى إلى بعد الانتهاء من أكل البطيخة. أسرع يا قاسم وإلا وقفت أنا.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:27

7

إغواء

هو الآخر لم يعد يتصرف في حدود الوظيفة، إن دافعًا قويّا أضحى أكثر تأثيرًا. لم يخرجه عن الاتزان والعقلانية ولكنه زلّ بعقله قليلاً خارج إطار المبدأ الذي خطه لنفسه. النزاهة تقتضي معاملة الجميع بنهج موحد لكن تغليب العاطفة قد يكون بمنأى عن الوعي العقلاني، والعاشق مرفوع عنه اللوم، حتى جنونه يحسب له وينظر إليه من منظور الاستحسان لا الازدراء والاستهجان.
ومن منظور آخر كانت شيماء الفتاة المراهقة التي حولت وجهها إلى حديقة قصر من القصور الأندلسية، وعرفت باللباس الضيق الضاغط على جسدها كجبيرة، تتأبط حقيبة يد من الخرز الأرجواني، وقد صُفَّ على أرضية من (الشمواه) لها مقبض ذهبي نقشت وردتان على جنبيه، وزر حلزوني تقبع تحته أصناف حديثة من أدوات التجميل (البودرة، كريم أساس......) في الأصل لا تحتاج إلى هذا فجمالها دافئ مثل ليلة دافئة جدّا في قلب شتاء. حَوَرٌ في عينها، وابتسامة رائعة لا تبرح ثغرها. يدان أجمل من حلي أميرات البلاط العباسي. قوام تموجي. أنف كرأس ريشة (الباركر). كل هذا لا يقع في الواجهة؛ إنه مطموس خلف الاستعارة. البشر مسيرون بأبصارهم لا ببصائرهم، بشهواتهم لا بحاجاتهم، بعواطفهم لا بعقولهم، بالمباهاة والتلقيد لا الحرص والذوق.
دخلت المكتبة برفقة ظلها التي لا تقل عنها بهرجة. خدمها الحظ. لمحته وحيدًا يصنف الكتب المسترجعة. تقدمتا إليه. اقتربتا. التصقت بطاولة المكتب ثبتت يديها فوق سطحه. أحدثت الأختام صوتًا زاد الصمت في القاعة من درجته، برزت أظافرها الموحية بغابات أفريقيا، ألقت عليه سلامًا تعطر بابتسامة قبل خروجه. رد السلام، بعيد الرد انسحبت (سمية) لتتوارى بين قواطع المكتبة صرخت في وجهها بلطف: لا تذهبي لا تتركيني وحدي (نبر الكلام يوحي أن الانسحاب متفق عليه) ما إن فرغت من الكلام حتى طأطأت رأسها ورفعت هدبيها العلويين لترسل مغزاها في التحرش بعواطف الفتى، وترسم جملة مختصرة تغني عن كثير القول، جملة ملطخة بالدهاء الأنثوي، دعمت وسيلتها بابتسامة أتقنت الشفتان حبكها حتى إنها تسد رمق سبعين من أهل الجوى والصبابة. رسمتها بلون أحمر فوق قطعة رخامية منعمة. لم يكن أمامه إلا أن يبادلها بابتسامة لم تلق العناية التي يلقاها كتاب عُبث بغلافه. لكنها بعثت الرضا الذي أينع إحساسًا مرهفًا بنشوة التمكن. عكَّر صفو هذا الإحساس أستاذ علم النفس يسأل عن كتاب (علم النفس الاجتماعي) للدكتور (حامد زهران) اضطرها للانسحاب المؤقت. أخذت كتابًا من أول رف قابلها، جلست في مكان مقابل تقلبه بين يديها دون أن تعي حتى عنوانه، بل إنها لم تكن تدرِ أنه بالإنجليزية. انتظرت طويلاً. نفخت الهواء مرات بزفرات طويلة جعلت أوراق الكتاب تُحدثُ صوتًا لفت إليها الآخرين، وتلعن بأسنانها كل من يستعير كتابًا أو يرجع كتابًا. الوقت يمر، والحنق يستعر، وزمن المحاضرة أوشك. لم تفقد الأمل في فرصة وقد لاحت، تدفقت نحوه لا ترى سواه، أقبلت تجهد نفسها في اصطناع الهدوء. كررت الابتسامة لكنَّ بريقها أطفأه الانفعال. أدخلت يمناها في جيب سروالها الأيمن أخرجت قطعة شوكلاتة نوع (سنكرس) ناولته إياها. قبلها وتناول مغزاها. اقتطع مدير المكتبة جزءًا كبيرًا من حلاوتها بتدخله المفاجئ يحمل في يده قوائم كتب اللغة والأدب، دلفها إليه. تناولها بيده الأخرى، طالبه بنبرة الأمر: راجعها وطابقها مع الكتب الموجودة. انتظرت انصرافه. سحب كرسيّا وجلس. فقدت الفرصة مجددًا غادرت مكرهة تجر أذيال الشغف الموءود. عكف على القوائم يدقق فيها. أمسك القلم الأحمر بإبهام يسراه وسبابتها. يضع علامة (/) أمام العنوان الموجود، وعلامة (×) أمام الناقص أو المشكوك في وجوده. يتوقف حينًا ليدفع عن وجهه الدخان المتدفق من سيجارة مديره وفمه ومنخريه. توجهت إلى القاعة رقم (3) طرقت باب القاعة. لم ترم علكة النعناع. طلبت الإذن بالدخول. أُذن لها عن غير قناعة. دخل جسدها؛ أمَّا عقلها وفكرها فبقيا هناك. جلست بجانب ظلها تهامستا. تابع الأستاذ قوله: إن السلوك الإنساني ينشأ كرد فعل طبيعي أحيانًا، وغير طبيعي أحايين أخرى. وقوع البصر على وردة يجعل النفس الطبيعية تتعامل معها بوقار وانحناء للذات الكامنة في الوردة وما تهبه من حس مرهف انعكس في سلوك حامل النفس. والنفس غير الطبيعية بفعل مؤثرات متفرقة ومتعددة تفرز رد فعل غير مواز للفعل ولا متطابق معه لوقوع السلوك تحت تأثير النظر من ذات النفس لا من ذات المنظور إليه. وهنا سينشئ رد الفعل فعلاً آخر؛ هو فعل القطف. وسلوك الفرد الطبيعي تجاه حالات المجون والجنون الحركي المصاحب للموسيقى الصاخبة ينبني على الاشمئزاز والنفور، بينما يحرك غرائز الهيام والشهوة الحسية عند غير الطبيعي لذا سرعان ما تنقلب إلى ملموسة فيندمج مع المرئي. وكيفية تعامل الفلاح مع النخلة المبني على الاحترام الذي يجبره على الصعود إلى قمتها مع ما يشكله له من تعب وخطر ليقطف ثمارها بأدب ووداعة يليقان بمكانتها عنده. في حين أن السلوك المقابل خلاف ذلك، إنه لا يتوانى - وبكل استهتار – عن قذفها بالأحجار ليحصل على الثمار. لقد نشأ رد فعله خارج إطار القيم.
الموروث والواقع عاملان مؤثران في توجيه السلوك، والمزج بين الموروث والواقع يعطي سلوكًا قويمًا في الغالب؛ بينما الانسياق وراء الواقع مجردًا من أي إرث يسوق إلى سلوك مجرد من القيمة. ومثال ذلك: أن إرث العربي يحتم عليه الالتزام بالمواعيد، لكن واقعه صار غير ذلك، بل صار يستشهد بالغربي في الحفاظ على الموعد. والنفس البشرية نزاعة للفتنة وهذه الصفة أمست محركًا للسلوك، والمحدد لنمطه، فبات الإمساك بلجام السلوك يتطلب قدرة خارقة، ومهارة عالية تمكِّن من تحقيق التوافق بين الكر والفر، والشد والترك.
عرفت أنها لن تجده. لم يأتِ في اليوم التالي. جاءت في الذي يليه. وجدته مع اثنين آخرين من المشرفين ألقت السلام بلسانها وحاجبيها. حكت وهي واقفة تثني رجلها اليسرى وتستند على مقدمة حذائها الذي انفك رباطه وأخذت تجره خلفها، اصطنعت حديثًا غير ذي معنى جالسة في المكتبة المكتظة. عيناها شاردتان، قطعت الحديث فجأة دون أن تتمه، وأعادت رجلها إلى استقامتها فقد همَّ المشرفان بالمغادرة، لكنها أجبرت على العودة للحديث، لم يكن الأول، حديث غيره فهي لم تدرِ في أي المواضيع تحدثت. لم تمضِ فيه مسافة ثمان وعشرين كلمة حتى أوقفته لقد غادر الجالسان. جاءت الفرصة بما تشتهي، لم تغمض عينيها إلا عنده حيته تحية الصياد للسمكة حيَّاها تحية الريح لأوراق الخريف. أخرجت من وسط كتاب كان في يدها قطعة شوكلاتة (kit kat) وناولتها إياه، مد لها قول الرفض بالشكر المصطنع، امتعضت من رفضه وقالت:
- كيف لامرئٍ مرهف الحس مثلك أن يرفض إحساسًا بالمحبة؟! بمساحة من نظرات عينين لم تفتحا كاملاً أجاب على استفهامها.
- لا أحد يرفض الإحساس الصادق الطاهر.
- إحساسي كذلك.
- أنتِ متأكدة؟
- إنه إحساسي.
- سأطلب منك شيئًا.
- أتمنى خدمتك.
- أريد أن تكتبي لي قوائم.... لم تمهله فرصة تتمة مطلبه.
- أنا على استعداد سأكتب قوائم بكل الكتب في المكتبة.
- لا ليس كذلك.
- بالدوريات.
- لا. انتظري.
- كتب علم الاجتماع؟ لا. علم النفس؟ لا. الأدب واللغة؟ لا. الجغرافيا؟ لا....
- أريد أن تكتبي لي قوائم بالأساتذة الذين منحتهم إحساسك هذا، وقوائم بالطلاب الذين لامست كتفاك أكتافهم، والعابرين الذين تصدقتِ عليهم بابتسامتك المنسوخة، وقوائم بأنواع الشوكلاتة التي وزعتها على أساتذة وطلبة وموظفي الجامعة.. آه. لا تنسِي قائمة الأسعار.
المفاجأة عقلت فكرها وعينيها بل كل حواسها. لقد رماها بثالثة الفواجع. لم يمنحها مساحة للشهقة. نظر إليها بعين الصغار. خاطبها بلسان الهوان المطعم بالشفقة وتابع: يومًا ستنحر أنوثتك على مقصلة اللهفة الآثمة... ولا أريد أن أكون السيَّاف، ولن أكون. بهتت من الرد القاسي غير المتوقع من جميلة مغرورة لا تزال براعمها الطرية الندية في أول تفتحها تستجيب بلين لمداعبات الرياح في كل المواسم. والكل يهش لابتسامتها. الصدمة أذهبت بصيص الرشد فانهارت وصرخت في وجهه بأعلى قدرة بقيت فيها:
- أنت مغرور. أنت تافه. أنت لا تستحق ودي. خسارة كل نظرة أنفقتها عليك. أنت...
انزوت كل الأعين المنصبة على الكتب ناحية ساحة الصراع العاطفي، واستدارت الآذان لتلتقط ما ينبثق عن صدام الرغبات. عينا هبة وأذنيها كانتا من بينها لكنها كانت أشدها اهتمامًا، وأدقها متابعة للحدث، لقد تحولتا إلى عيني صقر وأذني ذئب، عيناها الواسعتان ازدادتا اتساعًا. وضعت القلم الجاف وسط الكتاب وأغلقته. صار نظرها كالرمح المنطلق من يد فارس عَبْس. لم يكن عقلها خارج دائرة التركيز والاهتمام، إيعاز ذاتي صدر لها بتحليل كل الألفاظ والمعاني والحركات وردود الأفعال، حتى تقاسيم وجهه وحركة رمشيه. جاءت النتيجة كما يشتهي عليل يشتبه في علته بالورم. تطاير الحنق من عينيه. بدأت أسنانه تصطك، وبدنه يرتجف وأخذ يغرس أصابعه في راحتيه كأنما يغرس وتدًا في أرض صلبة، برزت عروق يديه وجبهته. انطلق لسانه:
- اخرجي أيتها الرقطاء اللعوب، أيتها المارقة البذيئة...
أجهشت بالبكاء تحت وطأة قسوة عبارته، وأسرعت بالخروج كاد رباط حذائها أن يوقعها. ارتطمت بباب الألمونيوم فسقطت قطعتا شوكلاتة (mars) نسيت حقيبتها عند الباب. نزلت السلالم يسبقها سيل دموعها وترمقها عيون الواقفين. وتوارت بين كتل اللحم والدم. لقد خجل من نفسه فلا المكان ولا المكانة يليقان بما فُرض عليه. كان زملاؤه قد التفوا حوله. انتبه لوجودهم خاطبهم دون أن يسألوه: لها أكثر من شهر تحوم حولي، تضايقني بعروضها البخسة المزيفة زيف الأصباغ على وجهها، بنظراتها المريبة، وابتساماتها المغموسة في سم الضياع، تظنني ممن يسهل إغواؤهم، ويخيل لها غرورها أنني كالعقاب يسقط على كل سحلية، ويزاحم الضباع على الجيف، أو طيرًا مسكينًا أبله ينخدع بذَنَبِ أفعى يتلوى وسط أعشاب خضراء.
وقع هذا القول في قلب هبة موقعًا عظيمًا وأينع في وجدانها مثل جنة بربوة أصابها وابل. كان بلسمًا سحريّا تلاشت به في لمح الفكر جراحات الشك، وفجَّر ماء العشق من صخر الصبر. زاد حضوره في قلبها الذي كان يشعر بجاذبية إليه واحترام لشخصيته عندما كان بين الفينة والأخرى يقف وسط القاعة في ثبات كأنه أسد جسور. ينطق بعينيه فيسود هدوء يسمح بسماع صوت إبرة تخترق قطعة حرير. يقف ببدلته المميزة بلونها البني المائل إلى السواد، وحذائه الأسود اللامع كأنه صنع لتوه، وربطة العنق الرائعة بخطوطها السوداء المظللة بالأرجواني.
لكن هذا لم يجعلها تتجه إليه غادرت تسير فوق بساط الأمل في رباط عفيف، وتركت قلبها يرفرف في كل الزوايا ويردد صدى الصبابة. انطلقت تحمل في جعبتها فرحًا عارمًا ينبغي أن تتقاسمه مع صديقتها سهام. التي أذهلتها الرواية وأوقفت تنفسها لبضع ثوانٍ. لم تكن تتوقع الرفض لمغريات غدت سمة العصر. أمرٌ يستحق التملي فيه. كيف يحدث ألا يقابل إغواء بإطراء مماثل. في حين أن الإطراء والثناء ينفقان بسخاء على من لا تستحق وبدون مناسبة وحتى على من تبدي دلالاً وتمنعًا وتجاهلاً. مفاجأة صد بنت العز والدلال والسحر المُسْكِر لعيون لاهثة وراء السراب. سألت هبة: ما الذي يقلب الموازين فيجعل المقبول مرفوضًا والمرفوض محببًا وحاضرًا؟ إنني أقف حائرة وخائرة التفكير ومتجمدة الإحساس عندما أسمع عن عقد قِران هذه وخطبة تلك ممن يستهترن بالسمعة، في حين تبقى الراغبات عن السباحة في فلك الإغواء حبيسات الانتظار. لم يكن وقع الحدث في نفسها عاديّا أو عابرًا بل شديدًا ومؤثرًا، أعاد الأمل في الاتزان، وأن الصواب لا يزال يقف على قوائمه، وأن أشجار التين لا تزال تطرح مرتين؛ فكم هو ثمين أن تلمح ضوءًا في الصحراء، وكم هي غالية قطرات الماء في ذيل القارورة. لقد جعلتها الواقعة أكثر اطمئنانًا على صديقتها مما شجع فكرة تركها تُنمي علاقتها بأحمد بمفردها. وأن ترسم خطاها دون مشاركة منها، فالمشاركة تعني القسمة في النهاية وهذا ما لا يكون في الغرام؛ أما الأخريات الحاضرات ومن سمعن النبأ فقد انقسمن بالتساوي نصف أثلج تصرفه صدورهن ومسح غمّا يجثم على فضولهن فهن يمقتن الفتاة ومثيلاتها ممن فقسن في أحضان الموضة المزيفة. ربيبات الفضائيات، وأدركن أنه لا يزال هنا رجال يدركون أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وينظرون بألبابهم لا بعواطفهم التي تعمى عن الشوك في الورود، ولم ينسهم طعم العسل وخز النحل. والنصف الآخر كن على النقيض. رأين أنه أعمى يركل النعمة بقدميه، شاذ لا يستحق أن يكون من أهل هذا العصر. متخلف لا تليق به إلا متخلفة لا تعرف بعد (الفير آند لفلي)، أو كيف تفتح قناة مشفرة.


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:29

8

الرقائق

تعودت وهي في طريق عودتها إلى بيتها الجديد الذي انتقلت إليه مع والدتها بعد وفاة جدتها أن تشتري لها ولأمها رقائق الذرة والحليب، فهما الاثنتان يشتركان في عشقها لدرجة الإدمان. كانت تضطر في عودتها إلى الدخول في طريق فرعي كي تصل إلى محل المواد الغذائيةٍ، لكنها لم تعد مضطرة فقد فتح قادم من أطراف المدينة محلا جديدًا في البيت الذي اشتراه، يقع في طريق عودتها تمامًا. أخذت تتبضع منه كل ما يلزمها، في الثالثة وهي تدفع ثمن مشترياتها التقت نظراتهما شعرت بجاذبية في عيني صاحب الدكان الذي يكبرها بسنوات، أحست بعاطفة تجرفها. نفضت الهواجس عن رأسها. حدثت نفسها: إنها عابرة. لم تبال بها على الرغم من شعورها بشيء مماثل ارتسم على محياه ولمع في عينيه. ظهور مفاجئ لطاهر بدد الحالة. اضطرت تحت وطأة الخجل للمغادرة. غادرت ولم يكن بمقدورها أن تجبر رؤاها على المغادرة. بعد ثلاثة أيام دفعت بيمينها باب الألمونيوم الزجاجي استقبلها هواء التكييف تبعه هوى صاحبه. لقد لمحت شغف الترحاب دون أن ينطق، وسمعت صدى المفاجأة يتردد في أرجاء المحل. ألقت السلام قبل أن يكمل الباب رحلة العودة الإرادية إلى مستقره. رد بلهفة ونغمة لا تخلو من الرومانسية، أتبعها بالسؤال عن الحال أجابت وهي متجهة صوب ثلاجة العصائر؛ أنها تعشق عصائر الحمضيات (البرتقال والليمون) لحق بها سبقت يده يدها إلى مقبض الثلاجة التقت أنفاسهما وامتزجت بالهواء البارد المتدفق من داخل الثلاجة، وانعكست نظراتهما على علب العصائر. قال: قد عرفت ذوقك هذا العصير النمساوي رائع إنه مزيج من اثني عشر نوعًا من الفاكهة.. وناولها واحدة: إنها مني. أجل إنها مني. ترددت في القبول. رضخت تحت وطأة الإلحاح. انسحبت خطوتين إلى الوراء نسيت أن تأخذ أخرى لأمها، تنبه لحيرتها، لكنها في سرعة ذهبت حيث الرقائق، ثم عادت لدفع القيمة تردد في قبول الثمن لقد رضخ تحت ضغط الإصرار إلا أنه أصر على مجانية العصير النمساوي، وقبل أن يرجع الباقي أسرع إلى الثلاجة ووضع ثلاث علب من نفس العصير في كيس وتمسك بأن تأخذها. في الطريق أكدت لها نفسها أنه يعاملها بأفضلية ممزوجة بالرومانسية.
إنها تدرك أن الجمال أقرب الأشياء من يد العبث، وأن الثمرة الأكثر نضجًا هي الأسهل اختراقًا من الديدان، وأن الوردة الفواحة هي الأكثر عرضة للقطف.
هي أكثر من غيرها تدرك أن الحب لن يكون في تمام معناه السامي. الحال وحده هو الذي يفرض نوع الحب؛ فالمصاب يتجرع أي دواء يوصف له، واليائس يرى كل ملاطفة غنيمة لا يجب الانزواء عنها. نظرة حانية تمثل عندها أحدى مراتب التكوين الحميم. ليس بالضرورة أن تحصل على الكمال فهي ليست كاملة وتجهل الرؤية المتوقعة. تتعلق بأي شيء يعيد لها توازنها المفقود. أي شيء. هو ليس أي شيء إنه رجل. إنه بؤرة الأُنس، وجذوة الحياة. الفارق العمري وإن كان كبيرًا ليس عقبة، قياسًا بما سيعوضه من وحشة العيش. المهم أن الكبر ليس في عمره إنما في الفارق، وأن سيكولوجية الحياة تقتضي إجادة التكيف، ومعرفة من أين تؤكل الفرص.
أحسَّت في معاملته بدفء حنان مفقود بدأت أشعته تتسلل إلى أعماقها المحطمة فتوقظ بذرة الحب التي كادت تندثر. حُسن المعاملة ونظرات العينين الموقوتة بالرغبة، والرضا الممدد بين طيات الجبين، وابتسامة الفجر الوليد أنستها السنين السبعة عشر أو التسعة عشر أو حتى العشرين التي تلاشت خلف بريق كلمة أحبك التي قدَّم لها بالحديث عن الورود وروعة عبيرها والشبه الذي بينهما، والحرير ونعومته، والماس وسحره الملهب للألباب كسحرها، والحب الذي ليس له وطن ولا يحكمه زمن ولا يحتويه مكان.
الأيام تمر ولكن ليس كمرور الكرام، تمر مرور العشاق، لا يفوتون يومًا إلا ويقتبسون منه، باللقاء يقتبسون، بتراسل الحواس يقتبسون، بالذكرى يقتبسون، بالحلم يقتبسون. في يوم منها سألها عن أهلها. أجابت بعد وقت: إنها كانت تسكن مع جدتها لأمها.
- كنتِ!! والآن.
- مع أمي.
- وأين أبوك؟
- لا أعرف لقد غادر وأنا رضيعة.
- ما اسمه؟
- لا أعرف أمي تعرف كل شيء.
- أهو ميت؟
قالها وعض عقله من الندم حاول المعالجة. غيَّر السؤال:
- في أي سنة تدرسين؟
لكن الحيلة لم تنطلِ، فرواسب هذا الأمر أكبر من أن تزيلها كلمات أو أسف. وضع هذا السؤال حدّا للقاء، وساعد في ذلك دخول صبي يحمل ورقة. ناوله الورقة. أخذ يقرأ: ثلاث علب جبنة البقرات الثلاث. اثنان جبنة كيري. علبتان تونة إسباني قطع. علبة هريسة ليبية. كيلو زيتون. واحدة سعادة. فوط أطفال حجم مواليد. ثلاث فوط نساء. أخذ يناول الصغير طلبه. تسترت وراء الوقت وطلبت الإذن ثم غادرت. لم تكن ترغب في الحديث عن شيء مجهول لها، أو تتعمد أن يبقى مجهولاً.
لم ينتبه إلا بعد حين أنه لا يزال واقفًا استشعر التحول المفاجئ لكنه أوجد مبررات كثيرة وانشغل في توفير المطلوب. في الطريق قلبت السؤال في رأسها: أليس من حقه أن يعرف؟ نعم يعرف اليوم خير من أن يعرف غدًا. يعرف مني خير من أن يعرف من غيري. سؤاله يعني جديته واهتمامه. مهمة إعلامه سأتركها لأمي.. ولكن كيف لم أسع لمعرفة خباياه؟ قد تسألني أمي عنه. كيف سأجيبها. انطلقت في رحلة العودة بعد أن عقدت النية على مباغتته بأسئلة مضادة. مر بها شابان في الطريق، تهامسا: إنها جميلة لكنها... وصل الهمس أذنيها. أزعجها. كادت أن تقذفهما بحمم السخط والاحتقار. تريثت لا تريد أن تلقي بنفسها وأمها في صراعات لا تقدر على ردها، فليس لهما حام، عادت لتعنيف أبيها. هو من كسر نفسها. من جعلها مثل كيس فارغ تلهو به قطط الشارع ثم تمزقه. تذكرت كيف تخلى الآخرون عنها!! كيف حسبوا عليها خطايا سبقت إطلالتها. أوصلتها أفكارها إلى بيتها، ضغطت جرس الباب. نسيت أن معها مفتاحها الخاص. فُتح الباب. أغلقته خلفها. رمت حقيبتها على كرسي الخشب المقابل. كادت أن توقع باقة الورد الأصفر. لم تنظر في وجه والدتها. توجهت إلى غرفتها وتوارت خلف الباب.
في اليوم التالي التقت مع هبة، دون أن تتكلم لمحت الحيرة في عينيها، في جلوسها ووقوفها السريع: أرى أن شيئًا يقلقك. آه يا هبة إني حائرة في أمري. لا أعرف كيف أحسب خطواتي. أخشى التردد، وأخاف عاقبة الخطو، وأهاب الندم. قالت هبة:
- على المرء أن يحسب خطواته. أين العقل الذي يدبر؟ على المرء أن يتخير المنزل السهل لخطوه.
- وهل لمثلي حق الخيار؟ ثمَّ أين هي المساحة الخالية من الأوزار كي نطمئن على طهر خطانا. الحياة قاسية يا هبة. أجل إنها قاسية لا تحنو على محطمٍ مثلي. إنها تعبث بالبشر وفق مشيئتها. لا ترعوي عن دك أحلامهم، وزراعة البؤس في كل مكان يصلح للزراعة. تقف عند بوابة الوجود، لا ينجو مار من نهشة أو قضمة، من يشب إلى النور تبني له قبرًا من ضياع. قاطعتها هبة:
- أنت.. أنت المثقفة الخلوقة تقولين هذا. تنظرين إلى الدنيا بهذه النظرة التشاؤمية التي قد توصل إلى السخط على القدر ثم إلى الكفر: لا تظلمي نفسك ولا الحياة، لا تحمليها أوزار الرَّكْبِ، إن فيها الملائكة وهم ليسوا قساة، كان فيها الأنبياء والرسل وهم ليسوا قساة أبدًا، فيها أولو ألباب وحكماء وأهل صدق وهم ليسوا قساة. القسوة فينا، الحياة ميراثان: ميراث خير، وميراث شر. منَّا من ورث الخير عن أهله، ومنَّا من ورث الشر من أهله، ومنَّا من ورث الشر وطوَّعه، ومنَّا من ورث الخير وضيَّعه. كلٌّ بما فيه ينضح. هيا أخبريني بما حيَّرك. بعد زفرة قوية طويلة حركت أوراق شجرة الكافور التي يستظلانها. أخبرتها عن قصتها مع صاحب المحل، وكيف أنها تجد الأمان عنده، تحس دفء كلماته ترمِّم ما تصدَّع من كيانها. قالت هبة:
- ألا ترين أن الفارق العمري كبيرٌ. قالت:
- أولا ترين أن ما سيمنحني إياه أكبر.
تحيرت هبة في الإجابة فهي تعرف أن سهام صارمة في قراراتها معتدة بآرائها، ولها الحق فمصابها قد يفرض عليها ما ليس في إطار قناعتها. درب أفعالها يمر من مبدأ: ليس لديها ما تخسره. لم يكن هذا حالها قبل أن تكتشف حقيقة تكوينها. أذعنت وقالت:
- احسبي الأمر جيدًا إن رأيت فيه صالحًا - وعسى أن يكون – استمري.
بعد محاضرتي طرائق البحث والأدب المقارن انطلقت إليه، لا تبتغي رقائق الذرة إنما رقائق الحب والاستقرار. دخولها كان مفاجأة له، كان يظن أنه أغضبها، وأنها لن تعود قريبًا، ابتسامته العريضة أنابت عن مكنونه.
حيَّاها (لحظة صمت فرضها قادم) قدَّ اعتذارًا على إغضابها تفوح منه رائحة الندم. ابتسامة سبقت قولها:
- من حقك أن تسأل من أكون. وتعرف أصلي وتخبر فصلي. وإن عزمت على ما أظنه يجول في خاطرك سأرتب لك لقاءً مع أمي ولية أمري تسمع منها كل ما تبغي عني وعنها. أنا أيضًا من حقي أن أعرف من تكون؟ وكيف هو شأنك؟...
رفع رأسه إلى السماء. رد سقف المحل بصره. أعاد معه هامته. قال بُعيد زفرة:
- آه أنا رجل ظلم نفسه، أساء إليها بعدم قبول النصح والآراء التي كانت تريد مصلحتي وأراها بالجانب المعوج في تكويني الداخلي، غروري وزيفي وعبثي بنفسي والمحيط جعلني أتعثر في بداية مشوار الحياة مُنحت فرصًا لا يحلم بها أحد، سببت متاعب كثيرة لأهلي ولزوجتي السابقة:
- كنت متزوجًا؟
- نعم لكننا افترقنا منذ زمن.
- ألم تقرب الأيام بينكما؟
- لم نسعَ لذلك. ولأكون صادقًا: أنا لم أكترث. قلت لكِ كنت عبثيّا. وكنت أنانيّا. ركبت موجة العناد. لم أسعَ حتى للاتصال بابنتي. هي نذرت على نفسها أن تحرمني منها. وأنا نذرت بألا أجعل العاطفة نقطة ضعفي. فرَّطت في الحق الأبوي بدافع الكِبر المزيف. تناسيت الحنان. فرطت في فلذة كبدي كيلا أمنحها حق الانتصار.
- وهي؟
- لم تكن ترغب في الانفصال لأنها كانت ستتضرر منه كثيرًا. تحملت عبثي طويلاً. وضعها لم يكن يسمح لها بأن تفكر في الانفصال. ولكن قد يجبر المرء على ابتلاع الحنظل. لقد خَسِرتُ كل الفرص التي كانت في متناولي. وها أنا أبحث عن الاستقرار محاولاً تعويض ما فات مع قناعتي بأن المكسور لا يعود لأصله إلا جذع الشجرة إن قصصته قويته وأرجو أن يكون تقليم السنين كفيلا بإعادتي لأُسْعِدَ من أحب.
- إن شاء الله. هل ترغب في مقابلة والدتي؟
- بودي هذا.
- سأخبرها إن وافقت أحدد موعدًا.
- السلام عليكم.
- في أمان الله.
في طريقها أخذت قطعة شوكلاتة أخرى. قالت إنها لـ... وابتلعها الشارع.
كانت أمها في البيت تتبادل الحديث القديم والمعاصر مع جاراتها. قطع صوت لسان قفل الباب حديثها. علمت أنها سهام: سهام تعالي سلمي على عماتك. سلمت بحرارتها المعهودة وأدبها المعروف عنها. لم تبدِ مشاعرها أمام ضيفات أمها. أنزلت حقيبتها من على كتفها واتجهت إلى المرآة. شعرت أمها بحسها الفطري بسعادة ابنتها ورأت بعين الفطنة أكاليل زهور تتدلى من شعرها ترصع ثغرها فيزداد بهاء كما يُرَصَّعُ بالماس الذهب. لكن الحريص لا يقع في حفرة مرتين هاجس خطئها لم يبرح ذاكرتها. تستحضره أبدًا. تخشى على ابنتها ذات المصير. تخاف نزوة عابرة تحطمها كما هو شأنها. تعلم أن ابنتها كالغريق. نفسيتها المحطمة تجعلها لا تفرق بين القشة واللوحة، والشاطئ والقاع. كل من يرمي بابتسامة في طريقها تحسبه ملاكًا. علي ألا أتركها في هذه الفترة لعاطفتها، وعليَّ أن أفعل هذا بكل حنان. يجب مراعاة عمق الشرخ النازف بالألم والحسرة. كبرياؤها المحطمة تحتاج ليد دقيقة تعيد ترميمه بروح الصبر.
عناء المقدمة يعادل نصف الموضوع وربما أكثر. قد تتلاشى الجملة المفيدة. قد تعلق أكثر من جملة. تتزاحم على المخرج في آن واحد. قد تفسد البداية النهاية. وحتمًا البداية الموفقة تتمخض عنها نتائج أطيب. قد يسهم حسن الحظ في تجاوز عناء المقدمة، وهذا ما كان. بعد أن قضت سهام وطرها من المرآة. توجهت تلقاء الثلاجة أخرجت عصير البرتقال. استشارت والدتها وهي تسكب العصير:
- هل أحضر لك كوبًا؟ بعد برهة ذهول أجابت.
- لا مشورة في الكرم.
جلست أمام والدتها وقالت بعد رشفة عصير:
- أمي، هل تعني لك سعادتي شيئًا مهمّا؟
- لو كنت أحسب هذا سؤالك ما أنصت إليك. وهل تُسْأَلُ أم هذا السؤال. ولا سيما أم لا رصيد لها في الدنيا غير ابنتها. أم صارعت الخطأ. واكتوت وحدها بناره، لا يمكنها أن ترفع رأسها حتى لاستقامة البصر. تحملت الأعباء، وتنازلت عن الحقوق. كي تحرم غيرها حتى من مجرد رؤيتها أو الاتصال بها. كيف تسألين مثل هذا السؤال الذي لا يتوافق وذكاءك؟
- أدري مدى حبك لي وحرصك علي، وأعلم عن نذرك الذي حمَّلك المسئولية والوفاء. لكن سؤالي نابع من خشيتي من هذا الحب. قد يكون حائلاً بيني وبين رغباتي.
- الحب لا يقف في طريق الصواب. نحن الذين نضع الأوزار في دربه. الأنانية وزر. النزوة وزر. الشهوة الحيوانية وزر. تجاهل شعور الآخرين وزر. استغلال الضعف: أيّ ضعف وزر. الخيانة وزر. التلاعب وزر، وسوء النية هو كبير الأوزار وهو المُسيِّر لخطوها. يا بنتي: الحب الطاهر المجرد هو نبض الحياة وأكسجين الأحياء. وهو عماد البقاء الفعلي لا الشكلي. هو كذلك ما لم تلوثه آثام الرغبة.
- وإذا كانت رغبة شرعية.
- شرعيتها رهن بالنية.
- خير إن شاء الله.
- وما هو هذا الخير؟
- بصراحة. وبالصدق المتفق عليه بيننا. ارتبطت برجل وهو يطلب معلومات عن أسرتي. لم أخبره. لقد قررت أن أوكل لك هذه المهمة. أنت تعلمين حساسية الأمر.
- ومن هو الرجل؟ وأين التقيتما؟
- لا شيء مما يخيفك قد يكون. التقينا في محله. هو صاحب محل بالقرب من مكان دراستي. صحيح هو يكبرني بسنوات، لكنه طيب وحنون ويحبني بصدق.
- قلتِ أكبر منك بسنوات. هذه أولى العقبات. هل ترغبين في دفن شبابك؟!
- وهل قدَّرني من هم في عمري؟ لقد أحجموا جميعًا عن تقدير شبابي وجمالي وذكائي وأنت تعرفين السبب.
طعنت هذه الكلمات ثقتها بنفسها وهزت كيانها. أجبرتها على عدم الاستمرار في الحديث.
- حسنًا "قالتها بشعور لا حسن فيه" وكيف سأتحدث معه؟
- سأعطيه موعدًا يزورك فيه.
- في البيت؟
- نعم في البيت. لا شيء في ذلك سيأتي في النهار. لا بديل لدينا.
- من يهتم لأمرنا ويأتي للحديث معه؟ خالك لا يزورنا إلا في الضرورات!
- أوليست هذه ضرورة!
- إن حدث اتفاق ستكون ضرورة ويتطلب حضوره.
تمكنت من إقناعها وانتزعت منها موعدًا ستنتظره فيه. لم تعلم متى أفرغت كوب العصير في جوفها. انطلقت صوب الثلاجة لتعب عبوة أخرى. كانت ليلتها ملتقى أحلام، حلم جميل يزاحم آخر. في الصباح عانت من بطء مرور الوقت. وبطء حركة الشمس. كل شيء يهيّأ لها أنه قد تجمَّد وامتنع عن الحركة. إحساس بمؤامرة زمنية تسلل إلى خلدها. لكن تسلل شعاع الشمس من نافذتها أزال عنها هذا الشعور الدخيل على ساعات الفرح.
أخيرًا لامست يداها باب الأمل. دفعته بيسراها وولجت بيمينها. ابتسم محييًا كعادته. حيته تحية مزدوجة. دون أن تترك الباب أعلمته بالزمان والمكان الذي سيعرف فيهما كل شيء عنها. وستتيقن فيه من صدق نواياه.
في الجامعة قابلت هبة ونقلت لها الخبر. شاركتها الفرح وتمنت لها تمام أمانيها. وهي تقول في قرارة نفسها. لطالما شُمَّتِ الورود من أنوف لا تعرف غير رائحة التبغ. لكنها الحياة لا تكال بمكيال. لم تشكل لها المحاضرات عبءًا فهي لم تكن في القاعة، فقط يدها تكتب دون وعي. هو الآخر أخطأ أكثر من مرة في ثمن سلعة باعها. ونبهه أكثر من زبون إلى زيادة في الترجيع. شيء يقلقه - المعادلة. هل خطوات المعادلة صحيحة ليظهر الناتج صحيحًا. الناتج مبني على الخطوات. أي حسبة خاطئة لا توصل إلى صواب. قد يكون في هذا ظلم لها. هذا يذكرني بجنايتي الأولى. لكن هذه بقناعتها. أولم تكن الأولى برضاها؟ لم تكن كذلك كانت بلعبي على عواطفها. هذه أيضًا. قد تكون عواطفها استكانت لملاطفتي إياها . مما نتج عنه تعلق جرني أنا الآخر. هي صغيرة في مقتبل العمر. وأنا تجاوزت نصف الرحلة الافتراضية. ولكن تراجعي قد يكون جناية أخرى. قد يحقرني في نظرها. ألا يكون كسرًا لعواطفها، وهدرًا لأحلامها. ينبغي أن أترك الأمور تسير وفق إرادتها وبعد اللقاء ستتكشف أمور.
حرصت على أن تكون هي من يستقبله. سمعت رنتي جرس الباب. ارتفع نبض قلبها مع الأولى وهبط بالثانية. أسرعت (وهي ترتب نفسها) إلى الباب. فتحته بشغف، واستقبلته على استحياء. أدخلته غرفة الجلوس. خلع نعليه أمام الباب، وتخيَّر مجلسًا لا يقابل وسط البيت.عادت لتخبر أمها التي استكملت لتوها تهيئة نفسها. بينما هو كان يتأمل الغرفة ويجرب أكثر من وضع في الجلوس. همست في أذن أمها وهي تهم بالدخول: كوني لطيفة معه. تجاوزت باب الغرفة وألقت السلام. لم تكمل التحية تعثرت في حذائه عند الباب فسقطت مغشيّا عليها. احتار بين الإسعاف والمغادرة. لكن الشهامة اقتضت أن يطالب سهام بإحضار أي منعش. أحضرت زجاجة عطر. رش منها على يده ووضعها بالقرب من أنفها. عطست عطستين. وبدأت تستعيد وعيها. بعد أن اطمأنت إلى أنها استعادت وعيها كاملاً واعتدلت في جلستها. غادرت لتحضر عصير البرتقال المُعد قبل ساعة وبرفقته طبق الحلوى الفاخرة. لم تتمكن أذناها المختفيتين خلف الوشاح التركي من التقاط الحديث بوضوح مما جعلها لم تعرف شيئًا عن الحوار على الرغم من انتباهها الشديد. قطعت حركة عند الباب انتباهها. إنها حركة ارتطام الحذاء بالبلاط. عرفت أنه يهم بالمغادرة. ألقى السلام وسمعته يقول إن شاء الله سأعود ثانية. أدركت أن الأمر لم يحسم، ولكن الوضع مطمئن. لم تخبرها شيئًا. وهي لم تجرؤ على طرح أسئلة تلعق ذهنها. قالت أمها عليك أن تطمئني. سيكون الأمر خيرًا إن شاء الله. عليك ألا تستعجليه.
في طريقهما إلى سكن هبة افتتحت الحديث:
- لقد خفت عليك كثيرًا، لأول مرة أراك في هذه الحالة، تلومينني على تعلقي به، وأنت حذاؤه أفقدك وعيك.
ابتسمت كرد طري يقابل مزحتها، ودرت أنها تصطنع المقدمات لحديث يقود إلى بغيتها في معرفة نتائج اللقاء. باغتتها أمها بسؤالها:
- كيف تعرفت ِعليه؟
- عن طريق رقائق الذرة.
- كنت أظن عن طريق الحليب (ابتسمت وأردفت) ما الذي أعجبك فيه؟
- رقة شعوره ولباقة تعامله أشعراني بعاطفة جرفتني نحوه وشعرت أن شعورنا متبادل.
- ألم تشعري بالفارق بينكما.
- لست في موقف يمنحني حق حساب مخلوق ابتسم لي حين كشر في وجهي الجميع، لاطفني حين نهرني الجميع. أسمعني موسيقى العطف بعد أن كدت أنساها، ثم لو أن أمر كل امرئٍ بيده ما وقع أحد فيما تعتقدين أنه الخطأ. أحست قسوة الكلمات في قلبها، وشعرت به يدفع الدم بعنف.أدركت سهام أنها وجهت سهمًا مسمومًا إلى كبرياء أمها دون أن تحسب وطأة كلماتها. حاولت أمها تجاوز الأمر باصطناع سؤال لم تفلح في إزاحة نبرة الحزن عنه:
- أتحبينه؟ طأطأت رأسها وأفسحت المجال لعينيها ومنحتها حق الرد، وشارك لمعان أسنانها في نقل الإجابة . عند رصيف بيت هبة توقف الكلام قسرًا لقد وصلتا وأجبرت سهام على ابتلاع ما تبقى من كلمات . ضغطت سهام جرس الباب الخارجي المزخرف بورود حديدية طليت بلون الذهب نثرت فوق أربعة قضبان متوسطة. يتوسط كتلة من الطوب الإسمنتي مشكلة على الطراز الإسلامي رفعت على عمودين أسطوانيين مطليين بـ (السانتكس) البني والأصفر. سرت نغمات الجرس في جسد البيت كأنها طائر الزقزاق. لم تكمل الدقيقة الثانية دورتها حتى فتح أخو هبة الباب ألقى التحية. سألت عن هبة أجاب: إنها في الانتظار وأقفل مسرعًا. قابلته في منتصف الطريق: إنها صديقتك ومعها أمها، بخمسة قبلات على كل خد رحبت بضيفتيها. سلَّمت على أمها تبادلتا القبل على ظهري اليدين. سرن في ممر بين البابين على جانبه الأيمن يقف بشموخ ساق شجرة (البرسيانة) بظلها الكثيف وأوراقها الخضراء الزاهية المغطاة بكتل الورد الأحمر. لا يختلف الباب الداخلي عن سابقه إلا في الزجاج والمقبض الذهبي المتموج والمكون من قطعة واحدة. أجلستهما في غرفة الجلوس بعد أن مشين فوق فُرش أرضيتها مزيج بين الأحمر والأصفر وفي أطرافها أشكال متداخلة تُذكِّرُ بلوحات (بيكاسو)، تحيط بهن ستائر فضفاضة يغلب عليها اللون الأرجواني وإن كانت بيضاء الخلفية. تتناثر فوقها عدد من زهرات اللوتس الأنيقة. جلست والدة هبة مع والدة سهام وشرعتا في تبادل الحديث بينما سحبت هبة سهام إلى الردهة الشمالية بعد أن كلفت أختيها بواجب الضيافة. جلستا على كرسيين مصنوعين من أعواد خفيفة سهلة الكسر جلبت من البلد المجاور تتوسطها طاولة صغيرة من نفس المادة. وضعت هبة رجلها اليمنى على اليسرى وقالت: أخبريني ما الجديد في أمرك؟ أحس أنه خير: أشعر أن نفس أمي مطمئنة وأكاد أحس تخلُّق ابتسامتها في رحم القبول، لكنها لا تزال متحفظة بعض الشيء وكأنها لا تريد أن تستعجل الأمور لغاية في نفس الحذر. إن اتفاقهما على لقاء آخر أمر يدعو إلى الطمأنينة، ويشعر بالتمهيد لشيء ما، وأحس أنه على ما أتمنى. أتمنى لكِ الخير الذي ينسيك كل ما مضى ويمنحك السعادة التي تستحقين فأنت فتاة طيبة. آذتك الدنيا ولم تؤذِي أحدًا من الخلق. وماذا عنك يا هبة؟ ما جديدك؟... لقد أصبحت أنجذب إليه؛ شخصيته، احترامه لنفسه، ذوقه، أخلاقه جعلته يستقر في قلبي، وأشعر بمعاملته لي ونظراته المؤدبة الخجولة تكاد تنطق بشعوره تجاهي، لكننا لم يبح أي منَّا للآخر. إنه شخصية لطيفة محببة. ابتسمت سهام بما يغني عن كثير من الكلام. واصلت هبة: تصرفه مع الفتاة المغرورة في المكتبة كان له وقع كبير في نفسي. جعله يكبر في قلبي. أعرف أنك تُقرين ما أنا سائرة فيه. ألقت بجسدها إلى الوراء وشبكت يديها خلف رأسها، ونظرت إلى السماء وتنهدت: موقف أكَّد لي أنه ليس طائشًا بل متزن، لم تنطلِ عليه حِيل الغواية: أخبريني بسرعة عن تطورات الصبابة. لقد شوقتني. أنزلت يديها بعد أن حررت إحداهما من الأخرى. دخلت أختها الصغرى تحمل كوبي نسكافيه بالحليب، وثلاثة أصناف من الحلويات محلية الصنع، ونوعًا فاخرًا من بسكويت (لوكر) وكوبًا من الماء تنساب قطرات الماء على جانبيه كقطع البلور الصافي، وكوبًا زجاجيّا فاخرًا فيه سكر تتوسطه ملعقة صغيرة مقبضها خشبي النوع واللون. ناولت سهام كوب النسكافيه، وأزاحت السفرة نحوها. تناولت كوبها، استرخت للخلف وبدأت تروي تطورات قصتها غير المعلنة مع أحمد، حتى فيما بينهما. في غرفة الجلوس الوالدتان تثنيان على أخلاق ابنتيهما وثقتهما بهما، ولكن الواقع هو المريب، لقد تبدل كل شيء. تذكرت خطأها. ابتلعت الألم. شعرت مضيفتها بالأمر غيَّرت الموضوع. هل هناك أخبار سارة؟ إن شاء الله عن قريب. لقد تأخرنا. اسمحي لنا بالمغادرة. لا يزال الوقت يتسع للحديث. لا اسمحي لنا. أرسلي لسهام. حفل توديع غير رسمي جرى فوق بساط من الحب المتبادل. لوحت كل منهما للأخرى بيدها. قطفت سهام وردة وهي في طريق المغادرة، وقفلتا راجعتين.
في الطريق أخذت سهام تصطنع الأحاديث كي تستدرج أمها للبوح بسر الاجتماع المغلق، وبعد أن يئست من خطاب الرموز، وجهت السؤال مباشرة.
- هل اتفقتم على شيء؟
ابتسمت أمها ابتسامة عابثة: نعم اتفقنا. لم تنتظر تمام الجملة:
- صحيح يا أمي. صحيح؟
- ما هو الصحيح يا بنية؟ ما قلته؟
- قلت اتفقنا.
- نعم ولكننا اتفقنا على لقاء آخر ليس أكثر من ذلك.
شيء من الخجل وبعيض قلق ارتسما على ثغرها منعاها مؤقتًا من مواصلة الحوار. كظمت غيظها: يعني أن... نظرت إليها بدون ابتسام وقالت.
- يا بنتي لا تستعجلي الأمور. يقدر الله كل شيء. قد يحسب المرء حسابًا وللقدر حساب آخر. إن شاء الله سيكون خيرًا. ورأت الطمأنينة في كلامها، تناست تلعثم أفكارها، وتجاهلت غيظها وقالت:
- إن تقاسيم وجهك ونبرات كلماتك توحي بالفرح.
- وهل أصبحت عالمة نفس؟ أم أن كثرة القراءة علمتك؟
- العينان كصفحة الماء تعكسان كل شيء.
- وهل كشفت أن اللقاء بحبيبك كشف أمامها بعض الأمور التي تحتاج إلى تسوية. وأعاهدك بأن أسعى في تقريبه لا إبعاده، والأمور مناطة بالظروف، وكيفية حساب النتائج التي أدعو من قلبي أن تكون في صالحك. والمسألة مرتبطة بالكبرياء وعزة النفس.
لظى الشوق ساق قدميها إلى محله على الرغم من بعض الحرج وحالة الصراع الداخلي بين سؤاله عن لقائه مع والدتها، وبين بقائها في دائرة الانتظار لتتكفل الأيام – كما لمَّحت أمها – بإعلامها. ما إن دخلت حتى استقبلها بفرح عارم وملاطفة دسمة بالشوق كأنه يراها أول مرة. حدثتها نفسها أنه قد نال الموافقة فخالجها فرح عميق. صار يغدق عليها أطيافًا من عبارات الحب وقد تفجرت فيه براكين اللهفة فشعرت أنه يوشك أن يحضنها بين ذراعيه. لم يعد للسؤال قيمة فكل شيء في تصرفاته. لم تمكث كثيرًا فقد حصلت على بغيتها. ودعته وغادرت. نظرت وراءها فرأته خارج المحل يودعها بكل حواسه.
لقاء ثان وثالث ورابع والخامس شهد اتفاقًا على عقد القران. أبلغتها والدتها بموعد عقد القران. لم تنم ليلتها زفت الخبر لهبة التي شاطرتها السعادة بدأت تجهز نفسها. جاء ومعه بعض الرجال في عمره ثلاثة منهم أكبر منه سنّا حضر خال والدتها بعد انقضاء صلاة العصر، وبعد تناول الشاي شرعوا في كتابة العقد رفعت الأيدي بالفاتحة. تعالت التبريكات. تعالت أنفاس سهام. وزعت المرطبات تبعتها المشروبات. هبة تحضن سهام وأمها تبتسم. خرج الضيوف والخال في توديعهم، عاد ليبارك لنورا: ألف مبروك يا بنتي والحمد لله أن أراد بك خيرًا، الآن سأطمئن على سهام وأنها ستعيش بين أحضان الحماية والرعاية. توجه لسهام لقد عوضك الله وجبر كسرك وإن شاء الله أنت الأخرى سيأتي اليوم الذي أشهد فيه عقد قرانك إلى من يستحقك. صعقها هذا القول، ابتلعت ريقها بكل ما اختلط به من استفهام وذهول وصدمة. سؤال يدور. لمن كان عقد القران؟ أكان لأمي؟ ذات الوجوم أصاب هبة. تنبهت أمها لحالتها، لكن لم ترأف بها. ألا تباركان لي عقد قراني. انعقد اللسان سبعين عقدة لم تعد الحياة تسري في جسدها. هبة لم تعِ ما يحدث. لم تصدقه. أيمكن أن يكون ما حدث حقيقة. وإن كان حقيقة بأي عقل ستقرُّها. الخال يقف مترقبًا لا يعلم شيئًا. يستغرب هذا التغير المفاجئ لا يدري أسبابه، لم تمنحه والدة سهام استيضاح الأمر. فقالت: لأول مرة أرى بنتًا لا تفرح لأمها. انحلت عقد من لسان سهام توجهت لخال والدتها سألت بريبة: هل عُقد قران أمي، أجاب بدهشة: نعم وإني أستغرب ما يحدث. إنه الخوف من الفراق. إني أطمئنك. ستعوضين عن كل ما فات وسيجبر كسر نفسك. انهمرت عيناها بسيل من الدموع وانطلقت دون وعي إلى غرفتها تتبعها هبة. تساءل خالها فأعلمته بما لم يكن يعلم. اضطرت هبة للمغادرة وهي قلقة على صاحبتها غير مصدقة لما جرى. أيمكن أن تفعل أم بابنتها هكذا! وصلت بيتها دخلت واجمة على عكس ما يجب أن تكون، لاحظت والدتها - التي منعها المرض من الذهاب معها - حالتها. فتحت الباب وجدتها على سريرها تبكي. بادرت بالاستفهام - ما الذي جرى؟ ماذا حدث؟ ألم يتفقا؟ رفعت رأسها ومسحت دموعها وقالت:
- ليته كان كذلك.
- ماذا إذن؟
- لقد خطفت أم سهام من ابنتها عريسها.
كأنها لم تسمع:
- ماذا؟
- لقد خطفت عريس ابنتها.
- أنا لا أصدق.
- ولا أنا. ولا سهام. لقد صعقنا عندما تعرت الحقيقة المميتة لكل شعور. أيعقل أن تصل أنانية ابن آدم هذا المبلغ؟ أيمكن أن تضحي أم بسعادة ابنتها لحساب سعادتها........ أي فتاة مسكينة سهام لم تنصفها الحياة حتى في أبويها. لكن ليس غريبًا على أمها..
قاطعتها أمها:
- لا أريد أن أسمع منك هذا ثانية وخرجت تخفي استغرابًا وسخطًا على هذا الفعل.
لا تزال سهام منكبة على وجهها تسبح في دموعها، وتغوص في صدمتها لا تدري بأي نكهة مُرَّة تبتلع مصابها في أمها وحبيبها. شعرت بيدين تسحبانها من أكتافها، تثاقلت في الاستجابة، ثم ارتفعت. قالت أمها: - لو تعلمين السبب لعذرتني وشكرتني.
- على ماذا؟ على تدمير سعادتي وحرماني من كل شيء جميل!
- بل من أجل سعادتك. لقد وجدته لا يناسبك في العمر.
- وناسبك أنت.
- هذه هي الحقيقة. إذا كان يكبرني أنا نفسي بسبعة أعوام، كيف سيكون الفارق بينكما؟
- أنت تعلمين من البداية تعلقي به.
- أعلم.
- فلماذا حرمتني منه؟
- لأني أحق به منك.
ذهلت سهام لجرأة أمها وأنانيتها. حتى لم تعد ترغب في الحديث معها. صمتت. كررت أمها. نعم أنا أحق به منك. إنه زوجي. إنه أبوك يا سهام. زوجي السابق. اختلط الفهم باللافهم، والوعي باللاوعي، والحزن بالفرح. أتصدق أم تنفي أم.. أم..: إنها الحقيقة التي أردتها لك مفاجأة. لم أتعثّرْ يومها في حذائه، لقد تعثَّرت في المفاجأة. قفزت في جوف أمها كأنها صغير كنغر، أخذت تطبع قبلاً على قلبها وخديها، تطوق رقبتها بيديها الأجمل من الأسورة التي تطوق معصمها.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:31

9

أحوال..

لم يعد والد عماد يثق في شيء. المشاهدة جعلته كذلك، كل الأشياء تتبدل. كان يظن أن الحداثة تجلب الأفضلية لكن صدمة الواقع غيَّرت رأيه وغيَّرت معها حياة عماد ورغباته؛ إنه ذلك الرجل الخلوق العفيف، الصارم، الرافض لزيف الأشياء، والماقت للبريق، الحريص على العادات والتقاليد ومن قبلها الدين، العنيف في الحق، المرتاب بالشبهات، يكره القيد والوصاية مما جعله يفتح محلا للتصوير يعيش من ريعه ويكون مسئول نفسه وأولاده. كان التصوير سبب سخطه لقد أراه أشياء لم يكن يرغب في أن يمتد به العمر حتى يراها. لقد رآها ولكن عقله يأبى أن يقر هذه الرؤية. الذهول عَقَلَ لُبَّه. لا يدري ما يرى أحقيقة أم خيال؟ بنات في لباس محتشم يدخلن قاعة التصوير ثم يخرجن يعاملهن بذات شكلهن، وما إن تظهر الصور حتى تعقد المفاجأة فكره. أهذه الصور لأولئك المغادرات قبل ساعة. نهود تتبارى على الظهور، وشعور تغطي الأكتاف وقد تلونت بألوان عدة، وكويت بحرارة عالية، وأذرع وأفخاذ عاريات. عرف أنه ما إن يكمل باب القاعة نغمته في رحلة عودته المتثاقلة حتى ينقلب الحال، سمع صوتًا يقول: هناك أكثر من هذا. هناك أكثر من هذا! أكثر من هذا !!! لا أعتقد. فأطلع على أكثر تكشفًا، أحضروا له صور أفراح حديثة، وأعياد ميلاد. كاد أن يخر صعقًا عندما رأى صور بنات الحسب والنسب وزوجاتهم. كاسيات عاريات. وصور طالبات في لباس أشبه بالحصار قد وضعن مروحة الهواء بجانبهن وهن يصورن كي تتطاير شعورهن، ليضعن صورهن على أغلفة بحوثهن. كاد أن يلعن الزمن لولا تذكره أن الدهر هو الله. لكنه كره الحرفة، قرر أن يقفل المحل أسرَّ بذلك إلى جاره وصاحبه الحاج محمود. أثناه عن عزمه. قال له: لو أن كل واحد في وقتنا هذا رأى ما لا يسره قرر مثل قرارك لأغلقت الدنيا وليس محلك فقط، الخطأ في كل مكان، هذه هي المدنية إنهم يرونها حضارة. احفظ نفسك وأبناءك وعليك بخويصة نفسك. لم يعد يبقى في المحل كثيرًا لقد أوكل إدارته بالكامل إلى عماد بعد قائمة من التوصيات أبرزها: لا تصور، ولا تطبع صورًا وأفلامًا مشينة تتعارض والأخلاق.
يقضى أوقات فراغه مع جاره الحاج (عبد الله) وغالبًا ما يتذمر من التحول نحو الأسوأ. أيمكن أن تكون مثل هذه الأفعال قد تغلغلت في بيئتنا؟ نحن المُصَدِّر الأول للأخلاق نتحول إلى محاكين لطيش الآخرين ونزقهم. "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" في خضم هذا التفاعل النفسي يبدي استغرابه من حال الفتاة سهام. سأله الحاج عبدالله:
- ومن تكون سهام.
أجابه بنبرة تنبئ عن الاستنكار لجهله:
- سهام. سهام ابنة نورا جارتنا التي تسكن قبل نهاية الشارع ناحية اليمين.
إشارة من رأسه أوحت بمعرفته بها:
- وما الذي تستغربه فيها؟
- أستغرب حسن أخلاقها، وصونها لنفسها.
- وهل الأخلاق غدت أمرًا غريبًا؟
- ليس كذلك بالضبط ولكن أن تكون فتاة صغيرة وجميلة بلا عائل وتحفظ نفسها ألا يدعو الأمر إلى الغرابة ونحن نرى أترابها يعشن في حمى أهليهن وتحت رقابتهم ويفعلن ما يرضي الشيطان. ألا ترى أنها إن تكلمت فالأدب حُلي قولها، وإن تصرفت الحكمة واللباقة هما موجهها. كما يقال إنها متميزة في دراستها كتميزها في شكلها. عندما كانت تأتي للمحل لغرض التصوير تشعرك بأنك مأمور باحترامها. لقد ترصدت لها خطأ فلم أفلح. إن ما يزيد استغرابي هو فشل كل مغريات العصر في جرِّها إلى كنفها كما أغوت كثيرات من بنات جيلها برغم عيشهن في كنف أوليائهن.
- أليست هذه هي المواصفات التي تبحث عنها في المرأة التي تريدها زوجة لابنك؟
- لا يمكن ذلك، إن مانعًا قويّا – غير الدراسة – يحول دون مجرد التفكير في ذلك وأنت تعرفه.
- إلى متى سيظل هذا المانع اللعين يعكر صفو حياة هذه البريئة,
- إلى أن نُقِرَّ أنا وأنت والآخرون بعجزنا عن مواجهة الخوف من نظرة المجتمع إن فعلنا صوابًا لا يقره المُجتمع، ليس لعيبٍ فيه؛ إنما لسوء نية فينا. إلى أن تتولد لدينا الجرأة على نقد الجاني وإنصاف المجني عليه. إلى أن نصل إلى اليوم الذي لا يُعيرك فيه أحد على عمل إنساني يفرج كربة مكروب، ويرفع كيدًا من فوق كاهل ضعيف. ويحط وزرًا عن مُكْرَهٍ، وأن يُسَيِّر المنطق والقناعة فعالنا لا الخوف من لمز الآخرين...
عطرٌ قوي جذاب أتت به الريح مع مرور ثلاث فتيات تتطاير شعورهن مع تطاير ضحكاتهن. لطم الحاج (الطيب) كفه الأيسر بكفه الأيمن وهو يسحب نفسه إلى الداخل بعنف، ووجَّه الكلام للحاج عبد الله: أترى وتسمع ما أرى وأسمع. قال الحاج عبد الله: صحيح أنَّ ما رأيته فوق الاحتمال ولكن هناك ما هو أفظع. وإن بقيت على هذه الحال سوف تموت كمدًا. أتذكر قريبي الذي ذهبت معي قبل خمسة أشهر للتعزية عليه. لم أعد أذكر شيئًا. المرحوم (زياد) الذي توفي بالجلطة. نعم تذكرت. أتدري سبب جلطته. إن هذا سر تمنى عليَّ أخوه ألا أذكره، لكني أذكره لك لأبين لك الأسوأ مما رأيت. لقد كان يومًا يتبادل الحديث مع صديق له في ناصية أحد الشوارع في قلب المدينة. فلمح طيفًا خُيِّلَ له أنه طيف زوجته. قطع الحديث ودقق النظر أصبح لديه شبه يقين أنها زوجته لقد دخلت في محل للملابس. اختصر الحديث وانطلق وراءها. دخل ذات المحل. لم ير فيه امرأة. وجد شابّا يافعًا يجلس على كرسي خلف طاولة صغيرة، وسلسلة ذهبية تتدلى من عنقه. مسح عينيه، لكن عملية المسح لم تغيّر الرؤية. شعر أن الوهم هو الذي حاك هذه الرؤية العابثة ببصره. استدار للخروج سمع صوت ارتطام خفيف وقع خلف ستارة حمراء في ركن المحل. شيء من اللاوعي جعله يسير نحوها. رفعها بيمينه وجد خلفها بابًا صغيرًا عرف أنها غرفة القياس فتح الباب إذا بزوجته معها شاب في وضع يصعب تصوره والنطق به... لم يدر ِ كيف خرج؟ ولا كيف قاد سيارته؟ ولا كيف وصل إلى سكنه؟ ولا متى؟ أرسل إلى أخيه وأخبره بالأمر، ثم طردها إلى أهلها. وبقي تسعة أيام لا يأكل ولا يكلِّم أحدًا. كسَّر كل علب الهندسة والمساطر وأشرطة القياس. في اليوم العاشر أصيب بجلطة أدت إلى وفاته. وقف والد عماد الحاج "الطيب" على رؤوس أصابعه وغادر المجلس وهو يردد: اللهم احفظنا يا رب...
يردد والد عماد في كل مجلس رؤيته بأن الفهم الخاطئ لقيمة العلم، والاستغلال السيئ للأماكن العلمية جعلا القيمة الحقيقية للتعليم تذوب خلف الدخائل الذاتية الخارجة عن الشرع والقانون والعرف والذوق. لا ينبغي أن يكون العلم وسيلة لغير غاية المعرفة. لا يجب أن تكون دُورَه ملتقًى للعشاق، ومعارض لأحدث الموضات، واختلاطًا يفسد الذوق والأدب إلا ما رحم ربي. بل للحمة والتكافل اللذين يبنيان الوطن على أسس الحب للوطن وللمجتمع، للناس ومراعاة لعاداتهم وتقاليدهم. انعكست هذه النظرة على عماد الذي أرسل مع والدته لخطبة (سعاد) ابنة الجار التاسع لهم من جهة الشمال. جمالها فوق المتوسط، قليلة الكلام. قصيرة الرجل ، تدرس في السنة قبل الأخيرة من المرحلة الثانوية. تعلقت بعماد من سنتين كانت تمر أمام بيتهم في طريق عودتها من المدرسة كان اللقاء الأول بين أعينهما وهي مَنْ مهد الطريق إلى القلب ثم اللسان ثم باقي الحواس. لم يلتقيا كثيرًا إلا لثوانٍ معدودة في أماكن مكشوفة. نقلت أمه رغبته في خطبتها إلى والده. رحب برغبة ابنه في الاقتران. أشاد بصفاتها التي لم تشفع لها عنده كونها ابنة مدارس وفي بيتهم هاتف. حاولت إقناعه دون جدوى. لكنه وبنبرته الحادة. أصرَّ:
- أريدها لا تقرأ، وإن قرأت لم تتعدَّ الابتدائية.
- لو رزقنا الله ببنت أكنت تعاملها هكذا.
- مما رأيت وسمعت سيكون الأمر أكثر من ذلك.
- أصابع يدك ليست متساوية.
- لكنها متجاورة.
بعد عودة عماد أبلغته بتردد قرار أبيه. غضب في نفسه.
- ألم تقولي له إني...؟
- أعرف يا بني. لكن هذا عند أبيك سبب إضافي للرفض.
- حاولي معه.
- سأحاول و... (إنها أخبر الناس بزوجها وبصعوبة تراجعه عن قراره). تنهدت وقالت: جهز نفسك للعشاء.
في الصباح قبيل مغادرته أوصاها أن تحاول. أومأت برأسها ورسمت على شفتيها ابتسامة يائسة؛ فقلبها ينفطر على مشاعره. بعد أن أعدت له إفطارًا مبالغًا في تجهيزه على غير العادة في محاولة تأثيرية لم تنطلِ عليه، فاتحته فيما كان ينتظر، لم يمهلها عاجلها: عليه أن يبحث عن أخرى لم تشاهد قناة فضائية، ولم تقرأ مجلة ولا صحيفة، ولم تستمع لأغنية، ولم تلبس بنطلونًا، أحمر أو أزرق أو أبيض، ولا قميصًا يُظهِر شكل حمالاتها من بين أزراره ، ولا تلبس حزامًا يجعلها كعنق زجاجة (الكوكاكولا) ولا حذاءً كعبه كقلم رصاص يذكِّر بداحس والغبراء، تسير فيه كذيل سحلية بُتِرَ للتو، ولا فستانًا يصلح قماشه لرشح الماء، ولا تعرف (الأيس كريم) ولم تتذوق (البيتزاء)، ولم يلامس إبهامها جهاز تحكم عن بعد. إن وجدها أزفها له دون تردد. صعب عليه أن يتخلى عنها، وصعب عليه أن يجد مطلبك. ختم الحديث: "بيت الحلال مرزوق".
انتهى العام الدراسي وسلَّم كمال شهادات الطلاب في حفل أعَدَّ له بمجهوده الخاص مع بعض الدعم من إدارة المدرسة وأولياء الأمور. عبق نسيم النجاح في المكان، وتضوع الفرح على امتداد الأفق فلامس أنف مبروكة. وحدها مع قلة من غير المجدين لم يبالوا بالفرح. تعرف أنه سيغادر. تُحدِّثُ نفسها. هل سيعود؟ ومتى؟ وأين؟ ومع من سيكون؟ أسئلة تبحث لها عن إجابة لكنها تخشاها. عادت مريم تحمل شهادتها والفرح يكلل خطواتها البريئة. تُلوِّحُ بعروس جميلة كانت هديتها، خارج الدار استقبلتها مبروكة. باركت لها. أخذت مريم تطلعها على تقديرها الممتاز، لكن نظر مبروكة انصب على اليد الأخرى، على العروسة. أهي عن عمد؟ أهي محاكاة لوجدانها؟ أم رسالة يفهم منها: إني عائد لأزفك في فستان الفرح. أم أني ذاهب لأتزوج. التقت هذه التساؤلات بمثيلاتها السوابق فشكَّلت زوابع قلق وحيرة وشك مركزها الدماغ الذي لم يعد يقوى على تقبل المزيد. عادت ودخلت الغرفة وتوارت تحت الغطاء الذي لم يستقر من تنهداتها المتلاحقة.
ألقى طاهر السلام على من في المحل رد الحاضرون التحية. سأله عماد بعد أن فرغ من العمل الذي بين يديه:
- كيف حالك يا طاهر؟ أين أنت؟ يومان لم نرك أين تختفي يا رجل!!
- في البيت فأمي حالتها لا تدعو إلى الاطمئنان؟
- ما بها؟
- كثيرة الشرود يعلوها حزن مصدره الأعماق، بين لحظة وأخرى أراها ترمقني بنظرات ألمح فيها علة. أسألها تواري وجهها بين ركبتيها وتتظاهر بأني أتخيل فقط: لو أن بي شيئًا سأحكيه لك.
- إنها الوحدة، أو أنها تفكر في تزويجك.
- على ذكر الزواج ماذا بشأنك؟
- الطريق به عراقيل، بل مسدود.
- وما تنوي فعله؟
- السمع والطاعة لوالدي.
- بهذه السهولة!
- ليست سهولة؛ إنه أبي.
- هل أكلمه؟
- إن أردت أن تخسره فافعل.
- الله يكون في عونك.
- يقدر الله وما يشاء يفعل.
- ما هي أخبار كمال؟
- لقد وصل بالأمس. قال: إنه سيأتي إليَّ بعد العشاء. وأن له معي حديثًا يخص مستقبلي. ولابد أن تأتي أنت أيضًا.
- سأحاول إن سمح وضع أمي.
جناحان. أربعة. ثمانية ترفعها لتحلق في سماء السعادة. تخترق السحاب. تأمر الغيوم أن تسكب ما في جوفها لتحيي الأرض، فلقد رأته ينزل من الباب الثالث للسيارة ويسير خلف رجال في عمر والدها أو يزيد عليهم الهيبة والوقار، رفع أحدهم العصا التي بيده. أشار نحوها ظنت أنه يقصدها توارت خلف ساق الناقة. قال لرفاقه: كم سنة لم تر محاجركم ناقة عن قرب. استقبلهم والدها دخل أمامهم حتى أجلسهم في حجرة الضيوف الكبرى في البيت. رأته يسير بذات الخطوات الخجولة التي اعتادتها. كل شيء فيها بدأ يخفق حتى كأس الحليب في يدها. كرَّر والدها الترحاب بالضيوف وأمر بإعداد الإفطار. أخذ يرد على ثنائهم على نوع المعيشة، ونقاوة الهواء. ويخبرهم بأن لكل شيء ضريبته. كل شيء يحتاج إلى التعب المضاعف خلافًا لما عندكم. الماء في سنوات الجفاف يشكل لنا مشكلة كبيرة. كمال عرف ذلك. طلب الإذن ليتركهم بعض الوقت. أرسل مريم لتحضر عمها (حسين) كي يبقى مع الضيوف. بعد بعض الوقت حضر الفطور. قطع من كبد خروف مقلية في الزيت مع الطماطم الأخضر والبصل والفلفل يبرز فيها لون الكركم. أُعقبت بالشاي الأحمر وبالحديث حول كمال وحسن خلقه. بعد تناول أول أدوار الشاي بعد الغداء الدسم تحدث كبير الضيوف وبيَّن غايتهم من المجيء. وطلب يد ابنتهم لعماد ابن الحاج (الطيب). لقد جئنا بناءً على شهادة كمال فيكم. ومن حقكم أن تطلبوا شهادته في ابن الحاج الطيب. فهو محل ثقة عندكم كما ذكرت من قليل. نعم. هو كذلك. ومادام كمال في أول الموضوع وآخره على بركة الله. شربوا الشاي. وقرءوا الفاتحة. تعالت الأصوات بالتبريكات؛ فانطلقت الزغاريد. ودَّع الضيوف ودخل على زوجته أخبرها أن الزفاف سيكون نهاية الأسبوع المقبل. وأكد لها أنه واثق في شهادة كمال في صهرهم عماد. سمعت القول: انفجر من قلبها اثنا عشر حزنًا، ومن عينيها مثلها. قصَّف النبأ أجنحتها فكبت على وجهها. كمال حلمها لا غيره. كانت تظن أنه جاء ليخطبها هو لا ليخطب لصديقه. زيَّن لها وهمها أنه كان يبادلها ذات الشعور. بكت الليالي التي قضتها تحلم بعودته. ابتلعت غصتها. لا مجال لأي تصرف عليها أن تتحلى برباطة الجأش وتستعد للأسبوع القادم.
تعاقبت الأيام والليالي في خضم حركة اعتادتها منذ بدء التكوين، ولم يطرأ عليها تغير خلا تسارع وتيرة دورانها. وجدت مبروكة – ولأول مرة – نفسها في المدينة، وفي أحضان رجل لم تره من قبل، ولم تعرف عنه شيئًا، لكن الأيام عرفتها طيب معدنه. حظها كان طيبًا فقد كان لعماد سكن مستقل، فتمكنت من ممارسة مهنتها السابقة. ذات مساء زارهم كمال. استقبله عماد بحفاوة بالغة. أدخله غرفة الجلوس. طلب منها أن تعد له عصيرًا. أخبرته عن احتياجها لنوع من البسكويت ليقدم مع القهوة. استأذنه في المغادرة قليلاً. دخلت عليه بكوب العصير. حدَّقت فيه مليّا، ثم مدت له يدها مرحبة. الذكريات أنستها سحب يدها. اضطر لسحب يده. لم يكن يدور بخلد كمال أن المرأة لا يمكن أن تنسى عبير أول وردة عانقت أنفها. ولا أنفاس أول رجل تقابله خارج محيطها. لن تخلع عن قلبها بيسر حبّا كونته فطرتها لا عواطفها. مبروكة لم تتصرف ملءَ مشيئتها بل ملءَ مخزون الحب والشوق والغريزة والحلم الموءود. لم يمر الزمن الكافي الذي يُطهِّرها من شغفها به. الأصالة ذكّرتها بأنها أصبحت زوجة رجل. أنزلت من يدها كوب العصير وانسحبت بسرعة مخلفة خجلها يلف المكان. كمال قرر الكفَّ عن زيارة عماد حتى تتعافى المسكينة من تعلقها به. اعتذر عماد عن التأخير. أعاد الترحاب بصديقه. أعاد شكره والثناء عليه على هذه الهدية الرائعة. إنها إنسانة طيبة ومطيعة. لم أكن أعلم أن البيئة الصحراوية تكتنز هذا الجمال. أضاف كمال: إنها منبت القيم والأخلاق والصدق والشهامة. شيء واحد لا يزال ينقص مبروكة. حسن التعامل مع التقنية. يا رجل: أيام وستكون أمهر منك. نسيت أننا أول عهدنا بها لم نعرف حتى كيف نشغلها. أؤكد لك أنها ستكون أكثر خبرة من بنات المدينة. أوصيك بها خيرًا. وأنت ما أخبارك مع أم نبيل ونبيلة؟ غدًا سأفاتح أمي في الموضوع. وهي ستتكفل بمفاتحة أبي. لماذا يا كمال يجرؤ الواحد منا - ذكرًا أم أنثى - على مفاتحة أمه في مثل هذه الأمور ولا يفعل ذلك مع والده؟ لا أدري ولكن ربما لأنها الأقرب، أو لأنها الأغزر عاطفة. قاطعه عماد: أو لأنها الأسهل إقناعًا. ابتسم الاثنان مع آخر رشفة قهوة. وطلب كمال الإذن بالمغادرة وهو يكرر التهنئة.
بعد ثمانية وعشرين يومًا تعالت أبواق السيارات وتزيَّن الفضاء من جديد في يوم فرح به الجميع بمن فيهم مبروكة بالزفاف الميمون لكمال. شارك الجميع بمن فيهم طلابه وأولياء أمورهم. وسرت في الحي فرحة كبرى. مرت الأيام لتضع سنة في ركن الماضي، رزق عماد بطفل جميل. ركّب له اسمًا جميلاً (الطيب عماد الطيب) كانت فرحة جده تفوق فرحة أبويه مجتمعة ومضاعفة. كان يزورهم يوميّا، لا ليراهم بل ليراه.
كمال لم تظهر على زوجته أي بوادر للحمل اضطره إلحاح والدته ممزوجًا برغبته أن يذعن للكشف الطبي. جاءت نتيجته مطمئنة لكن نتيجة زوجته كانت العكس. تلاشى الحلم الجميل. ضاعت الكنية لن تكون أم نبيل ولا أم نبيلة، وضاعت علب الأفلام الفارغة. أجبر على المواجهة مع الحقيقة، وعلى مواجهة ضغط أمه. وقع تحت وطأة القرار الصعب، والخيار المر. بين حبه لزوجه، ورغبته في الولد، وإرضاء أمه...



يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:33

10


طاهر


في طيات الشهور غابت الأيام، وتوارت الشهور في أعماق السنين، وغاصت السنون في غياهب الدهر وكبر طاهر الذي عاش في كنف أمه بعد وفاة أبيه الذي كان يكبرها بخمس سنوات. رحل دون أن يترك لها شيئًا غير ثمرة سنوات الزواج الثلاث. نشأ نشأة مزدوجة في حضن أمه وحبها المضاعف كان يعني حب الولد وذكرى الوالد. لا تريد أن ينقصه شيء أو أن يتميز عنه أقرانه مهما كلَّف ذلك من ثمن. مرت السنون وسحبت معها طاهر إلى السابعة عشرة. على قدرها وزيادة كان تعلقه بوالدته. كان يطمئن لصحبتها. يعاملها بلطف، ويكافئها بالطاعة، وتقابله بشعور وجداني محفوف بحزن خفي يتسرب أحيانًا دون إرادة إلا أن تفننها في تصنع ابتسامات الرضا والقبول لم تسمح بظهور هذا الألم الموروث. إلا أنه بدأ يأكل من الجسد المتقن، والوجه الصبوح كفجر الواحد والعشرين من مارس. كانت فاتنة شابة يقال إن أصلهم يعود إلى جزيرة كريت اليونانية. وجه جميل تزينه عينان زرقاوان، ووجنتان أشبه بتفاح البقاع، وشعر طويل أسود لا يصمد هنيهة أمام هَبَّة نسيم حنون، يقف الجسد على ساقين بيضاوين كأنهما أعراس قصر ملكي. لم يشفع لها هذا الجمال عند الأيام التي شرعت في رسم تأثيرها على كل شيء جميل، بدأ البريق يذوب تحت وطأة أشعة العمر الحارة القاسية التي تجبر المرء أن يستظل بشجرة الأثل الشوكي، أو أن يستجير من رمضائها بذئب، وأدركت أن لا بريق يدوم خلا بريق الأدب والعلم والذهب. واصل طاهر سيره في الحياة بخطوات ثابتة رصينة كأن قدرة خفية توجهه. ثابت جاد في كل شيء غير مفرط في ابتساماته، يحرص على أن يفهم أي شيء، يتكلم بمنطق وفي حدود. ليس من السهل قياده. اكتسب عن أمه وسامة وبسطة في الجسم. يحب الزراعة. يعتني بشدة بالأشجار والورود، معتد بنفسه من غير كبر. فخور بأمه. صادق القول. وفيُّ الفعل، لا شفاعة عنده للزلل وبخاصة ممن لهم شأوٌ في نفسه كسهام التي يرى فيها مثالاً للخلق الفطري القويم، فقد صادف يومًا كان فيه واقفًا خلف أرفف المحل الوسطية يعاين صلاحية علبة جبنة (كرافت) التي يحبها كثيرًا برغم سعرها المرتفع. وكانت سهام ترتاد المحل لشراء رقائق الذرة والبحث عن الدفء العاطفي. دخلت سهام دون أن تنتبه لوجوده، وخان التذكر صاحب المحل فنسي وجوده. شرعا في تبادل عبارات طلاؤها غزل. تشكل تمهيدًا للبوح بشأن لا يزال يختمر في وجدانيهما. ما يتميز به من هدوء في الحركة جعل ظهوره مفاجئًا لهما. توقفا عن الحديث. طأطأت رأسها. تعلم قدر الاحترام الذي يكنه لها طاهر. توردت خجلاً. هي تدرك أن لا نية لها في فعل الخطأ، ولكن أنّى للآخرين معرفة نواياك. البشر أجمعون خلقوا من عجل. عجل في كل شيء حتى في إصدار الأحكام. الحكم الأول عندهم للعين والأذن. تعطل العقول. لا تبحث في خلفيات الأمور وأساسها. إن تغير نظر من يحترمك يكلفك خسارة أكثر فداحة من خسارة كنز. فَقْدُ مكانتك في قلب من يحبك بصدق، ويضعك في مكان يسمو على الشبهات طعنة في فؤاد وجودك النبيل. تعرف أن طاهر من النوع الصارم حتى إنه لا يلتفت إلى النساء، ليس شغوفًا بالحديث معهن أو عنهن. يبالغ في احترام الآخرين وخاصة أساتذته والأكبر سنّا، ومن يسمع عنهم أمرًا طيبًا. أو يعرف لهم سلوكًا قويمًا. انسحبت من عين المكان وهي تضمر تحاشي اللقاء به كيلا تحرج نفسها على الرغم من حاجتها للحديث معه لتبرير غايتها. بعدها بفترة انسحب طاهر.
احترامه لأمه ينبع من إخلاصه لمن يحب. وهي وحدها وَقَفَ عليها حبه. يحييها كل صباح قبيل خروجه، ولا يغيب عنها كثيرًا وخاصة في المساء، وإن أراد الخروج فإنه لا يغادر المحيط. أخذ يشعر أن أحوال أمه غير عادية. غيوم من الحزن تكسو حَوَرَ عينيها، وأحيانًا يراها ترسل زخات إلى خديها. شفتاها كساهما لون بني غامق أدى إلى فتور ابتسامتها. زمن أحاديثهما قل. انتبه إلى أمر أزعجه. تحاول ألا تنظر في عينيه وهي التي كانت لا تشبع من النظر إليه كأنه لا يزال في سنته الأولى. يسألها فتنكر ما يعتقد. تعاند أن لا شيء يدعو للقلق، تحاول أن تخفي ما الحزن مبديه. يستحلفها بحبها أن تريحه. تستحلفه بمعزتها عنده ألا يضغط عليها. يرضخ لطلبها، يرتدي ملابسه. يربط حذاءه. يقبلها (يشعر ببرودة القبلة) يتجه نحو الباب. تنظر إليه من دبر وهو يسير بخطوات يرسمها الشموخ. ما إن تسمع صوت رجع الباب حتى تتوارى في دموعها وتنكب على وجهها، تخاطب نفسها: ماذا فعلت؟ ماذا جنيت على هذا الشبل، لقد قلمت أظافره رمز قوته، وضيعت زئيره مصدر هيبته. أعلم أن منهم من ينظر إليه بسخرية بسببي وينعته بينه وبين نفسه وربما غيرها بالمخدوع الأبله المعتد بتاريخ من زجاج. آه أي جريمة اقترفت. وبأي عقل فكرت. لا شيء أنت أيها الإنسان. ضعيف أنت أمام الأفكار السخيفة. قذر أنت أمام الرغبات. أناني المعاملة أمام سلطان الذات. سلبي الفعل حيواني الفكر. لعاب فقط أنت يا من تنعت بالإنسان. لا تستعمل الندم إلا بعد انتهاء صلاحيته، حين لم يعد مفيدًا، وبعدما يصير عديمًا إلا في التأثير عليك، وسحبك من حواسك صوب مقبرة الانهيار. لا يجب أن أُبقي ولدي في جلباب الخديعة، علي أن أقر بالحقيقة كي يفهم حقيقة الناس الذين يتعامل معهم. الثمن باهظ، والفعل مخاطرة بالماضي والحاضر والمستقبل، لا يمكن توقع درجة رد الفعل من شامخ واثق، لن يكون الأمر سهلاً، ولكنه لن يكون أشد صعوبة مما أعاني. آه.. أمران لا حلو فيهما لكن على المرء أن يواجه نتائج أفعاله. أنا امرأة وهناك فرق بين المرء والمرأة. في الحقيقة لا فرق، فالمرأة الفاعل وإن كان مفعولاً بها. منذ البداية هي الفاعل، في هابيل وقابيل هي الفاعل، في قصة نوح، في قوم لوط، في قصة فرعون، في قصة موسى، في البسوس...
قالت في نفسها: لن يمر الأمر دون أن يثير بركان الحمية ويلقي حمم الغضب والقهر لكن أدعو الله ألا تطول المدة، وأن يكون رحيمًا بالأرض التي حوله. أرجو أن تشفع لي عنده سنوات الحب والرعاية والحنان، أن يقدر الأسباب. أن يكون لتعلقه بي شأن في بلسمة الجراح، ويمنع قطيعة الأبدية، ليقينه أنه يمثل الحياة لامرأة فُرض عليها العيش وحيدة من بدايات حياتها. لكن ماذا لو عمي بصره، وادلهمت بصيرته، وتصرَّف خارج كل الحسابات، ساعتها سأفقد كل شيء. ستدوسني الأيام بسنابك قهرها. أكون قد شققت بيدي كبدي. أولم أفعل ذلك حين استسلمت للضعف الفطري؟ لم أفكر في هذا اليوم؟ الأمر لا يطاق. ربما أنا أتخيل أمورًا لن تحدث. ومهما حدث لن يكون قاسيًا قسوة الهم والقلق اللذين أحملهما. لا بد أن يعلم كي أزيح ولو قليلاً جريرة الذنب. إن إبقاءه غافلاً ذنب أكثر فداحة، يجب أن يطأ الأرض وهو يعلم حقيقة وجوده. يجب أن يظلَّ شامخًا عن يقين لا عن خديعة.
استيقظ في الصباح قبل السابعة والنصف، وجدها جالسة أمام الباب، ألقى تحية ودلف إلى دورة المياه وطلب قبل دخوله أن تحضر الإفطار فهو مرتبط بموعد مهم لا يحتمل أي تأخير، لقد عُرِف عنه الحرص على المواعيد. عند خروجه وجدها قد حضرت الشاي والحليب وقطع الكعك خفيف السكر وخبزًا أحضرته من المحل المجاور. لاحظ ارتعاش يدها وهي تصب الشاي، لم تسيطر عليها. نصف الكمية سكبتها خارج الكوب. أمسكها من معصمها وسألها أن تخبره ما بها. كرَّر: ما بكِ؟ من أيام وأنا أرى حالك يسوء يومًا بعد يوم. أسألك فتقولين: لا شيء، وهل ما حدث الآن لا شيء؟ حالك يكاد ينطق. هناك شيء. عندما أعود لن أغادر قبل أن أستوضحه.
هند ترمقه من بعيد تتواصل معه بنظراتها. تتواصل معه بشعورها المنغلق على كل من في الكون إلا هو ترى فيه الفارس الذي يأتي على قدميه بثبات فيطيعه كل من فوق الأسرجة. تخفي في نفسها الحب الذي حملته له منذ أن شبت وأخذ قلبها يعرف الدقات الدخيلة على النبض الطبيعي. لم ترصد أي تصرف عابث طائش، أو التفاتة شهوانية ماكرة، ولم تسمع أي خبر ينقص من قيمته أو يصفه بسوء. صلابته إحدى ميزاته، وطبعه الجاد يجعله لا يغفر الخطأ الصغير، وإن غفر فبصعوبة. دائمًا يردد: لماذا لا يكون الكون بلا خطايا (نسى أن خلافة الأرض بدأت بخطيئة) وإعمارها بخطيئة. قوة شخصيته شكلت لها المانع الأكبر في البوح بمكنونها، ولكن هذا المانع يضفي عليه هيبة وجلالا. حقّا لقد كان حسن منظره يطابق حسن مخبره.
تركها في البيت لوحدها لا تدري ما تفعل. بين قضبان الخوف والشعور بالذنب يقبع عقلها، تنهشها كماشات التردد. تحادث نفسها: هل أخبره؟ ألا يمكن أن يكون الوقت غير مناسب؟ لا. لا. لا. يجب أن يعلم قبل أن ينخرط في التعامل مع الآخرين. سأخسره. ربما خسرته فعلاً يوم خسرت نفسي، هل ستنفعني حججي التي ستكون أقبح من الذنب؟ ما الذي ينبغي عمله؟ ماذا سأقول؟ هل ألمح له فقط، وأخفف درجة الفعل؟ أم أخبره الحقيقة كاملة؟ أي حقيقة؟ إنها مُرَّةٌ. مجرد سردها يعني تكثيف الطعن. هل سيمنحني الفرصة كي أخبره بما لا يمكن له أن يتصوره؟ ما قد تلقاه امرأة وحيدة تجد نفسها فجأة في مهب الفراغ ومنحدر العوز، ووسط حلقة من الذئاب، أأقول له: إن كل واحد تعاملت معه كان يرغب في قطعة من لحمي. لا أحد يريدني لذاتي، كل لذاته فقط، لا أحد نيته ستر امرأة لا معين لها في الأرض. حتى عمك الذي كان في خصام مع أبيك. وكان يعارض مع جدك زواجنا، وعندما أصرَّ أبوك وتزوجني سخطا علينا ولم يدخلا بيتنا حتى توفي أبوك فكانت شماتتهم فِيَّ أكثر من حزنهم على أبيك. كان بين الفينة والأخرى يطل برأسه الأشعث ويتظاهر بالسؤال عنك. وعيناه تعبثان بجسدي. عندما يسلم علي أضطر لسحب يدي بشيء من القوة فهو يضغط عليها ليبقى ممسكًا بي. أنا امرأة صغيرة وجميلة بلا حام كالشجرة المثمرة بلا سياج الكل يطمع في أن يقطف منها، حتى البهائم تأكل لحاءها. كل يوم أسمع كلمات الإطناب والإعجاب: كيف للقمر أن يسير على الأرض. أنت زهرة مكانك حديقة قلبي لا هذا السوق. لو أن الحلو يرضى لفرشنا له الأرض ذهبًا... ناهيك عن إشارات العينين والشفتين والحاجبين، وملامسة اليدين عند أخذ الثمن، وعند رد الباقي. كنت أضجر في البداية ولكن أنفاس الرجال في الشتاء تكون أكثر دفئًا من المواقد. ولاسيما عند أرملة شابة. الأيام تمر ويزداد بمرورها الحِمْل، وينقص المال المتبقي بعد والدك. الراتب لم يصرف بعد. أوراق، وسفر، ومبالغ ولم يَلُحْ في الأفق ما يبشر بصرفه. كان الحاج عمران يتكفل بذلك. في بعض المرات أضطر للذهاب معه للتوقيع. كان في غالب الأحيان لا يأخذ مني قيمة ما دفع. مرة قال لي ستتعبين في الحياة. لم أجب. بعد أشهر من هذه الكلمة نفد المال. كنت بحاجة لشراء ما يلزمك استعدادًا لتسجيلك في المدرسة وتأمين المأكل والملبس لك. تذكرت كلمات الحاج عمران قلت له: لقد بدأت أتعب من الحياة. قال: هي الحياة، نحن رجال ولا نستطيع أن نسايرها إلا ببعض التنازلات. ننحني أمام عواصفها كيلا ننكسر، نتنازل عن بعض ما نريد، نفعل بعض ما لا نريد كي نفك حصارها حولنا وحول من نحب. لم أدرك ساعتها الهدف من كلامه. طلبت منه مبلغًا من المال، أخرج من خزانته ثلاث حزم رماها أمامي: خذي منها ما تحتاجين لرعاية ابنك ولصون جمالك من عبث الأيام. ابتسمت وقلت: شكرًا بعض المال يكفيني. لأتمكن من رده من الراتب. سحب وريقات دون عدها ووضعها في يدي، وهو يمعن النظر في عيني، ويمسك بيدي. شكرته وعدت إلى البيت في اليوم التالي خرجت لأحضر الحاجات مررت به حيَّاني بلطف رددت بلطف مماثل. عندما عدت عرجت عليه تبضعت منه أخذ يداعبني بعبارات لم آلفها منه، لكنه إطراء مبالغ فيه. رفض أن يأخذ الثمن وأقسم على ذلك. بعد يومين ذهبت إليه أسأله عن الراتب كي أرد دينه. قال: لا تفكري في الأمر. لا تفكري في المال أنت كلك مال. أنت تملكين ثروة من الحسن والبهاء. أمسك بيدي وقال: عندما يريد المرء شيئًا يشتهيه يضحي بكل شيء كي يطلبه، ومالي عندك وأضعافه لا يساوي لحظة رضًا منك. سحبت يدي بقوة. قلت: بالفعل أنا بحاجة إلى من يرعاني ويحميني، وأمامك طريق سهل لتفعل ذلك. ليس سهلاً كما تظنين. ليس سهلاً على رجل متزوج: وهل يسهل اقتران رجل بامرأة دون عقد. لا أحد سيدري. انسحبت وعدت إلى البيت. كنت في المدرسة. جلست وحيدة أجتر حزني وضياعي لم أكن أتوقع مثل هذا، ومن الحاج عمران. كنت قد تركت الباب الخارجي مفتوحًا بعد لحظات سمعت طرقًا على الباب الداخلي. مسحت حزني وفتحت الباب. كان هو يحمل أكياسًا بيمناه أزاحني من طريقه ودخل وضع الأكياس من يده. وضع يديه على كتفي. (ظننته جاء ليعتذر) قال: لا تكابري أنا أعلم أنك بحاجة لما أعرضه عليك، أنت تتصنعين حياء العذارى. كان يضغط على كتفي، كنت أنهار تحت كل ضغطة، لقد توفي زوجي من ثلاث سنوات. كأنه كان يعلم بما يتأجج في داخلي ضمني إلى صدره ولم أدر ِ بحالي.... أأقول له: إنه اعترف لي بمسئوليته عن تأخر الراتب كي يسهل اصطيادي. أم أخبره عن المقاول السوري الذي أعاد بناء جزء كبير من البيت. اتفقت معه بدأ يعمل في المرحلة الأخيرة لم يكن بيدي ثمن أجرته، وثمن بعض المواد الأساسية. طالبني بالمال ترددت. ماطلته أيامًا. هو يدري بأن لا مال لدي. طالبني يومًا ترددت في الإجابة مسك يدي. وضع يده الأخرى على رأسي. وقال: لا يهمك بإمكانك أن تدفعي شيئًا آخر. عرفت غرضه. فررت من أمامه. لحق بي. قال: ألا يحق للمرء طلب أجرته. اقترب أكثر: بيدك إكمال بيتك وتخليص نفسك من الدين. انطلق شيطاني من عقالي وسوس لي بلسان الدنس: إنها فرصة. لا أحد يعلم. نزوة دقائق ستريح دهرًا. إلى من ستلجئين إن أصر على طلب حقه. للحاج عمران، سيطلب كما طلب السوري، ألم ينله من قبل؟ نقص المال، والتفكير في الولد، والشهوة، والضعف، والوحدة، والشيطان. من سأقاوم. لم يكن أمامي سوى الاستسلام...
هل سيحتمل كل هذا؟ أي جبل سيتحمل ذلك، أي بحر يمكنه ابتلاع الخيانة. أي فضاء يتسع لنجاسة البشر. أي امرأة سيئة كنت، وأي رجل شقي سيكون. وهل سَيَعْقِلُ أن المرأة الوحيدة كالشاة القاصية؟
في طريقه إلى موعده مر بالحاج عمران، والحاج قاسم، وصادف كريم وخالد، ألقى عليهم التحية وهو يسير بأسرع من الطبيعي. طافت سهام في ذاكرته. تذكر كيف توردت وجنتاها، وتوارت في الخجل عيناها. إنه حياء العذارى. الحيي كاللؤلؤة، الهباء يؤثر في بريقها. لم تكن كالأخريات اللائي لا يبالين بأحد. يتبادلن أحاديث الغرام في الطرقات والمركبات والممرات لا يخجلن حتى من أساتذتهن أو أقاربهن. أو من رضخن لضغوطات الفاقة، ثم إنه من حقها أن تبحث عن الاستقرار مع من تشاء بمن فيهم الأكبر منها سنّا مادام من في عمرها لا يسعون للاقتران بها على الرغم من جمالها وأدبها وعلمها وأنا منهم لا أجرؤ على التفكير في هذا خشية نظرة المجتمع مع أن ذلك عكس قناعتي. لم نتحرر بعد من عقدة النشأة السلبية للمجتمع. لا يتوانى في تحميل الأوزار لغير مرتكبيها، فقط لمجرد أنهم ضحاياها. لماذا أحسب هذا التصرف عليها هي لم تفعل شيئًا؟ بعض كلمات في حوار سريع على هامش البيع والشراء. لقد بنيت تخميناتي على تقديرات لوجهة الألفاظ أسهم اطلاعي على كتب علم النفس ودراستي في الاجتماع على أنها إشارات بعيدة على نشوء سيئ في المستقبل. شعر أن تفكيره في هذا الموضوع أبطأ حركته وهو الحريص على أن يصل في الوقت المحدد. أوقف إعمال الحافظة الذهنية. أسرع الخطو. وصل فيما حدد من زمن. صعد ثلاث درجات أوصلته إلى مدخل البناية. قرأ اللاصق ثم دفع الباب وترك له مهمة العودة. قرأ العلامات المثبتة على خط واحد بجانب الأبواب إلى أن وقع بصره على مكتب الرئيس. رأى حسناء تجلس على مكتب فاخر، عرف أنها السكرتيرة، وأحس أن فيها شيئًا مألوفًا له: أرجوك أبلغي رئيسك عن وصولي فإن لي معه موعدًا سابقًا. قالت وهي تنظر إليه بعينين كادتا أن تتواريا خلف الظلال الاصطناعية: من أقول له؟ - طاهر محمود. قالها وهو يتساءل في سريرته: من تكون صاحبة هذه النبرات التي أحيت صوتًا قديمًا طالما سمعه. أشعل فتيل ذاكرته. أضاءت له الماضي. اطَّلع على حقيقة تتطلب التوكيد. أدارت كرسيها فسقط شعرها أمامها تحركت ببطء يحكمها سروال ضيق، ويعيق حذاء بسبع درجات قدرتها على الوقوف باتزان. حركتها حرَّكت عطرها فساح في المكان. فتحت الباب الذي انفتح حتى قبل أن تلامسه إكرامًا لنعومة يديها. ويبدو أن الريح الخفيف المندفع أمام حركتها أوصل نبأ قربها من مقبض الباب المنتشي بملامسة هذه النعومة التي تزيده لمعانًا مع كل لمسة. أخذ يحدق في مكتب السكرتيرة لم يهتم بالنغم الراقص الصادر عن قناة فضائية كانت تتابعها قبل مجيئه. جذبت اهتمامه – بالإضافة إلى الحقيقة الناقصة - لوحة كبيرة في الجانب المقابل لشلال تحيط به الصخور المغطاة باللون الأخضر، وتجانبه أشجار باسقة تكاد تفوق الجبل المندفع منه علوّا. انساب فكره مع انسياب الماء المتدفق من قلب الصخر. أوقف فعل الأمر الهادئ النبرة المخفف التنغيم (انتظر) هذا الانسياب. عادت لدوارها وتوجهت به صوب النغم. سألها:
- أأنت سعاد؟
أجابت بنعم دون وقع للمفاجأة، لقد عرفته من الوهلة الأولى لكنها كانت ترجو ألا يعرفها. لقد كان زميلها في الدراسة وكان دائمًا يثني على التزامها وحشمتها. سألها:
- ما الذي غيَّر شأنك وقلب كيانك؟!
- لقد جبت بكياني السابق كل الأماكن التي يمكن أن يتوفر فيها العمل لمثلي، لم يفتح لي باب. وجدت من رحّب بي، ولكن لم يكن لديه مكان شاغر. عدت لأماكن سابقة كنت قد رفضتها وجدتها قد شغلت. اللوازم الشخصية وأساسيات المعيشة لم تتركا لي حقّا في الخيار، هما من أوصلاني إلى حيث ترى.
الجرس الداخلي قطع الحديث. لم يمكِّنه حتى من إبداء أسفه. لكنه قلَّب أصغريه على ما ضيَّعت. طلَبت منه الدخول فهي لم ترغب في تناول أمر انتهى الحكم فيه. وقف معتدلاً. شدَّ حزام السروال بيده، أنزل قميصه من الخلف قليلاً. انطلق إلى الداخل. استقبله الرئيس. حيَّاه بحرارة. أجلسه على الصالون. ترك كرسي المكتب وجلس معه على الصالون بعد أن ضغط مفتاحًا. فُتح الباب. أحضري لنا كوبي قهوة. اعترض طاهر بأدبه المعهود: شكرًا لا أشرب القهوة ولا أي نوع من المنبهات. إذن أحضري عصيرًا طبيعيّا. لندخل في العمل: أنا من فترة أبحث عن شاب نشيط أمين، يُقَدِّر المسئولية، ويخاف على حاجة الغير خوفه على حاجته. جريء في ردود أفعاله. يحتكم إلى الصواب والمصلحة في المواقف التي تتطلب تصرفًا وقتيّا. يحترم الناس ويحترمه الناس. يحسن التعامل، ويعرف كيف ينتقي الكلمات التي تليق بالمواقف والشخصيات. إن عملنا يرتكز على تكوين العلاقات وحسن استثمارها، وكيفية إدارة دفة التنافس. يصغي باهتمام لما يقوله الرئيس. عيناه. أذناه. فكره. كلها في حالة استنفار. لم يفكر في مقاطعته. واصل يقول: إن لي صديقًا له صديق يدعى عماد، وعماد هذا صديق لك أيضًا كما علمت. أومأ برأسه. وهو الذي رشحك لنا، ولقد أثنى عليك كثيرًا. ضحك في داخله، واستمر في الإنصات لا شيء يثيره إلا وضع محدثه قدميه فوق بعضها فهو يمقتها ويشعر أنها تحمل انتقاصًا من حق المُخَاطب. قال: نحن شركة استيراد وتصدير كما علمت، ونحتاج إلى مُخَلِّصِين أكفاء. لا يملون السفر، يتنقلون بين المنافذ، ولا يضجرون من التعقيد، ويتصرفون وفق ما تقتضيه المصلحة، وما ينجز العمل. وكلما كانت كثافة العمل أكثر كلما كان المردود أكثر وبالطبع كلانا سينتفع؛ فما قولك؟ قولي: أولاً: أشكر لك ولصديقي عماد ثقتكما. ثانيًا: دعني أدرس الأمر وأتحرى عن مدى مطابقته لي ثم أعطيك الرد حتى أكون ملتزمًا معكم في حالة موافقتي. رشف العصير في ثلاث رشفات وطلب الإذن بالمغادرة. صافحه ورافقه حتى الباب وهو يخفي في نفسه إعجابه بأخلاق الشاب واعتداده بنفسه وحرصه على الاستماع للحديث حتى النهاية وقال لسكرتيرته هامسًا: إن وافق سيكون مكسبًا. وغمز بيسراه: وستكون لك هدية.
مسرع الخطى عاد إلى البيت وهو يفكر فيمن يطلعه على طبيعة العمل المطلوب منه أن يؤديه، وكيف أنه سيأتي عليه بالمال الوفير. لم يكن يدري أن هذا العمل، وهذا المال المتدفق لن يكون بلا ثمن، بل ثمنه غال جدّا. ثمنه أخلاقه ومبادئه. عليه أن يقبل دفع الرشوة، وإذلال النفس، والتملق لكل من له علاقة، ومحاولة إرضائه، بالمال، بالولائم، بالنساء... انشغاله بالأمر جعله لا يدري بالزمن. دخل البيت لم يسمع صوت قرقعة الأواني، أو صوت أسنان المكنسة على الفرش، أو صوت ارتطام الماء بالبلاط. ناداها لم يسمع ردّا. دخل غرفتها وجدها حيث تركها ممددة على السرير. غارقة في حزنها. انكب عليها بعد أن رمى بالكيس الذي حمل فيه التفاحات إليها. وضع رأسه على صدرها ويداه تحيطان بكتفيها. أخبريني ما بك يا أمي؟ اذكري لي سبب معاناتك. نهض فجأة وقال: سأذهب لإحضار سيارة أنقلك فيها إلى المستشفى. أمسكت يده وأشارت بالرفض. قال: سأحضر الطبيب إلى هنا. انفلتت من عينيها قطرات متتالية بللت رقبتها وهي لا تزال ممسكة بيده. نطقت للمرة الأولى بكلمات صعب عليه من البكاء تمييزها: يا بني علتي أكبر من أي طبيب. علتي أنا وأنت. علتي هوان وضياع وندم وحرقة وحسرة. علتي ضعف الأنثى وأنانية الذكر. علتي عدم القدرة على النظر إليك، وعدم تمكني من مواراة عين الشمس بالغربال. علتي نار تتأجج بين أضلعي، تأكلني وأعجز عن إطفائها. علتي أن أراك تنظر لهؤلاء الكلاب بعين الاحترام وهم يرمقونك بأعين الازدراء لأنهم يعلمون الحقيقة التي تجهلها. علتي كبيرة وعلتك أكبر.
أي علة؟ ومن هؤلاء؟ وما الذي يعلمونه وأجهله؟ لقد زدتني قلقًا وحيرة. لا بد أن توضحي لا بد. لا بد. أدارت وجهها إلى الجانب العكسي وعلا نحيبها، وكتفها العليا تهتز بقوة ورجلاها تطحنان بعضهما عند الركبتين والقدمين. صمت قطعه إلحاح المعرفة وتأنيب الرغبة في جلاء الأمور. بيده اليسرى قبض على كتفها المرتعشة وأدارها نحوه. لم تشأ أن تنظر في وجهه. أخذ يساعدها لتعتدل في جلستها، سقطت رجلاها على الأرض. انكفأت برأسها حتى لامس صدرها, يداها بين ركبتيها. استنطقها. استحلفها. توسل إليها بذكرى أبيه أن تخبره. انتفضت كما العصفور باغته أفعوان: لا تذكر أباك. فهو السبب. أبي السبب! كيف وله أكثر من تسع عشرة سنة يرقد في قبره؟! لو لم يمت لما كان، لو لم يتركني وحيدة لكان الشأن غيره. هو يرقد في قبره وأنا أتلحف الخيانة. لقد خنت أباك. أجل لقد خنته في حالة فقدان. في حالة نسيان له وغفلة عنك. لقد خنته مع كلاب لا يساوون ظفره. خنته بفطرة المرأة التي جبلت عليها. إن الضعف والإغواء والحاجة زيَّنَّ لي طريق الخيانة فصعدن بي، ولم ينزلنني فسقطت محطمة كما تراني أمامك. نظرت في وجهه قسرًا، رأت الدم يسيل من عروق عينيه وصدره ينتفض ويضغط على يديه. يقف على رءوس أصابعه. لقد بلغت ضراوة الذهول حد اللاسيطرة، وغاب العقل والفكر والمنطق في غياهب اللاشعور، وتعطلت الحواس تتبعها سائر أعضاء الجسد المنهك بالصدمة. الفعل ورده سارا في اتجاه واحد غير متساويين، ضاعت منه حاسة التمييز فلم يدر ما الليل وما النهار؟ ما الحركة وما السكون؟ شُلَّ البصر. تجمدت البصيرة. حقيقة واحدة تدور في رأسه وتنخر خلاياه: أنَّه لم يعد يساوي ما فوق بعوضة. ضرب رأسه في الجدار فاهتز الجدار ولم يهتز. سحب جسمه مع الجدار تتبعه يداه وتنسحبان خلفه لم تتأثرا بالنتوءات في الجدار. لم يبالِ بجرح إصبعه بمسمار صخري مغروس في الجدار قُطِمَ رأسه. تكوَّر عند أسفل الجدار دسَّ رأسه بين ركبتيه المرفوعتين، وضع يديه فوق مقدمة رأسه وأخذ يعصره. نظر إليها وقال: لقد ضيعتني. لقد دمرتني. لن أكون – حتى بيني وبين نفسي – رجلاً. لن تدفع عني سمعتي ومكانتي نظرات الاحتقار، وهمزات الاستخفاف، وهمسات الهوان. لن يُقَدِّرَ النمامون لي أي فضيلة. ألم تُعامل سهام بازدراء وهوان على الرغم من أدبها وعلمها وجمالها لأنها حُمِّلت أوزارًا كالتي حملتني إياها؟ الكل يزدري سهام لأنها ابنة غلطة. لم تكن هي الغلطة. ويغفلون عن أرباب الأغلاط. كم من سهام في المجتمع، وكم من سالم ونورا، وكم، وكم... لماذا فعلتِ هذا؟ وأي ثمن يستحق المجازفة بالحياء والعفاف؟ وأي شيء سيمحو الخطيئة. هل ستتلقين من ربك كلمات فيتوب عليك؟ هل ستتمكنين من جبر كسر الزجاج؟ لماذا فعلت هذا؟ لماذا؟ أخذ في النهوض وانكشفت من تحت يديه عينان تنضحان شرّا وضياعًا وكأنهما مكان النطق: لا بد أن أعرف مع من كانت الخطيئة. لا بد أن أعرف غريمي أو... وقفت متثاقلة تحركت نحوه خطوات لكنه لم يبالِ بها. انهارت خوفًا وندمًا ودمارًا. لا تستطيع رفع وجهها. تبكي بكاءً مرّا بصوت مكتوم خشية إطلاع الآخرين. جرَّت جثتها حتى سريرها. استلقت عليه بربعها العلوي تتكئ على ركبتيها وتتوسد ذراعيها. لحق بها وارتمى بجانبها. لا بد أن تخبريني من يكون. من دنَّس شرف الميت المسكين، والحي الميت. من منحته باطلا حق تلويث مستودع الأمانة. بأي مقابل بخس كان ذلك. ألا تعلمين أن كنوز الكون لا تصلح أن تكون ثمنًا للشرف، للأمانة، للعفاف، للأخلاق؟ لم ترد وكأن السمع سُلب منها، وكأن العقل طار. أولم يطر يوم فعلت فعلتها؟ قالت بشفتين ثقيلتين. يا بني، لقد أذلتني المادة لهؤلاء. لقد استغلوا غياب الراعي. المرأة بلا راع ٍ كالربيانة في جوف الثائر. كالشاة في وادي الذئاب.... من كان سيصدقني لو قلت إن الحاج عمران... ابتلع ريقه صدمه الفاعل أضعاف ما صدمه الفعل: الحاج عمران؟!! الحاج عمران؟!! رجل المبادئ، الناصح، المؤتمن!! نعم يا بني الحاج عمران هو من فعل بي وبك هذا. هو من جسَّرني. هو من حطم العفاف والكبرياء في نفسي حتى سهل كسرها. حتى ضعفت مقاومتي لمراودة المقاول السوري الذي بنى لنا. بهت. صعق. سكنت رئتاه. خشيت عليه. شهقت بصوت عالٍ. تحاول إفاقته. سمعته ينطق. حتى الأغراب. حتى الأغراب. لقد حميتني من البرد بسقف من العار والخسة والنجاسة. ألم يكن البرد أرحم؟ ألم يكن الموت أشرف؟ أي حماية هذه. عليَّ أن أفعل شيئًا. أن أزيل أي أثر للعار. أن أخمد أنفاس من أخمدوا سيرتي في الحياة. من منعوني أن أستنشق عبير الرجولة. من جرعوني التلوث والهوان. خرج مسرعًا هائمًا على وجهه. استأجر جرَّافًا. دخل على أمه طلب منها بعنف أن تغادر المنزل: عليك أن تخرجي خذي ما تحتاجين. سأدك البيت سأمهده بالأرض. أطهر جنابته بأسنان الجرَّاف. عارضته بانكسار، رأت إصراره صرخت بأعلى صوتها، استغرب من في الخارج الأمر. صراخ وهدير آلة. وغضب يكسو وجه طاهر. تدفقوا نحو المنزل سألوا السائق أجاب بعدم المعرفة. خرج عليهم. منعهم من الاقتراب. وقف الجمع في ذهول. اشتد غيظه عندما رأى الحاج عمران يقترب. حاول أن يقترب ويقدم النصح والإرشاد كعادته. منعه من الاقتراب وهو يغلي كغليان المرجل. لم يبالِ. يعول على احترام طاهر(السابق) له. ألقمه قطعة بلاطة فجَّت رأسه. وقع أرضًا. تصاعد ذهول الحاضرين. أهذا هو طاهر الذي نعرف؟ ما الذي جرى له. أيكون مس أصابه؟ لا يمكن أن يكون الأمر طبيعيّا. إن في الموضوع سرّا. أجل فيه سر. فاجأهم بصرخة: ابتعدوا. لا بد أن أهدم هذا البيت. لا بد أن أجعل منه قبرًا لذلك المقاول القذر، لا بد أن أذيقه طعم الموت. بلغ ذهول الحاضرين ذروته. وأشعل نار القلق في قلبها. وأذكى وجع تمنيها المبتور.
خلف نافذة غرفتها المجاورة هند تتابع الأحداث، وقلبها يكاد ينفطر من حزنها عليه، ولما آل له حاله بعد تلك الهيبة والوقار، كأنه جبل ينهار، وأشجار باسقات تهوي. ترى الشموخ يضمحل. والنور ينطفئ، ترى القلب الذي تعلقت به دون أن يدري بها ينزف. كان حبه يرقد في ثنايا قلبها، لم تبح له ولو تلميحًا بشيء. تعرف أنه يحترمها، لكنها لا تعرف إن كان يبادلها الشعور ذاته. من البداية كانت تسمع وترى ما يدور أمام بيت طاهر المسافة القريبة سمحت بذلك. يصل إلى مسامعها حوار الاستجداء، ولهجة التصميم. الحاضرون يحولون بينه وبين ما عزم عليه. منهم مَنْ يقول: لا بد أن تتدخل أمه فلها تأثير عليه. لا بد أن يكون رأيها صارمًا. أضاف الحاج مهدي: ما السبب الذي يبرر هذا العمل؟ لا يفعل هذا ذو عقل. تشرد عينا طاهر ناحية الصوت بنظرات أشبه بالرصاص. يتدخل الحاج خليفة: لقد كنت صغيرًا يوم كان المقاول السوري يبني في المنزل. لقد تعب فيه كثيرًا، ولم يأخذ الأجر الكافي لعرقه وأنت اليوم تريد أن تطيحه بسهولة. كأنه بهذا القول يقطع أوصاله بسكاكين من مسد، ويرميه بحمم من قهر. لقد صبَّ بقوله الزيت على النار. قال في نفسه الهائجة: لقد أخذ أجره من شرفي، لقد وطئ بقذارته طهر أبي. لقد دنس حياتي. فلا يجب أن يبقى أثر لعمله. إنه واقف على صدري، جاثم على كياني. إنه رمز الخيانة. هل للخيانة نُصُب؟ ربما لها نُصُب؛ أجل. نُصُب الخائن المجهول. أخذ يرغي ويزبد، مصمم على تنفيذ ما في رأسه المحشو بالحقد المتصلب. يهدد الجميع يأمرهم بضرورة الانسحاب. يُلوِّح بعصًا غليظة، كادت في مرات عديدة أن تصيب رءوس الرجال. حاول أحدهم الدخول على والدته التي لم ينقطع نحيبها، ولا ترفع رأسها، ولا ترد على تساؤلات المنشغلين. لكنه اعترض طريقه ومنعه من الاقتراب. الكل في دهشة الكل في حيرة إلا هو وأمه الوحيدان اللذان يعرفان العلة. لكنهما لا يعرفان دواءها. لا تزال هند متسمرة ترقب تصاعد الأحداث. ترى طغيان الغضب عليه وتصاعد درجاته، وترى تأثيره لقد أصبح طاهر- الذي لا تدري سبب أفعاله، إلا أنها على يقين أن السبب جلل – في حالة هيجان مستعر كأنه الجمل في موسم التزاوج. قلبها الصادق تجاهه هداها إلى الصواب. خرجت مسرعة من الباب الخلفي. انطلقت بسرعة على غير عادتها إلى منزل الأستاذ (محمد). حالفها الحظ. وجدته يهم بالخروج. نقلت له الصورة. غَيَّرَ وجهته. انطلقا في اتجاهين. لقد كانت تعلم مدى احترام طاهر له. كان أستاذه الذي يحبه، والكل يدري بحسن معاملة الأستاذ لطاهر. وحسن تقدير طاهر للأستاذ. وصل المكان وقد بلغ الغيظ أقصى مداه. أنزل عصاه المرفوعة في وجوه الحاضرين. انفلتت من يده. طأطأ رأسه. توقف عن الصراخ. ربت الأستاذ على كتفه اليسرى. انهار على صدر أستاذه. طوَّقه بذراعيه. طلب الأستاذ بإشارة من أصابعه المعقودة خلف ظهر طاهر من الجميع المغادرة. شبك أصابع يمناه في أصابع اليسرى لطاهر. جره فانقاد متثاقلاً خلفه. يُقَلِّبُ الردود في رأسه. لا بد أن يسأل عن السبب. هل سأخبره؟ نعم. سأخبره حتى يعلم مبرر تصرفاتي فلا يلومني، وكيلا تتغير صورتي عنده. لا. إن أخبرته ستتغير صورته عني، وعن أسرتي، وربما عن أصلي. سأفقد احترامه، وهو الوحيد الذي لا يمكن أن يكون كالحاج عمران. لا ينبغي أن أدنس صورة والدي في عين أستاذي. لا بد - ولو لا شعوريّا – أن يتخذ موقفًا ما. سأختلق أي عذر. لكن كيف لرأس خاوٍ أن يخلق نفعًا. وصلا إلى البيت فكر أن يقدِّم له قهوة. تذكَّر أنه لا يشرب المنبهات. أحضر له عصير البرتقال ولم يسأله عن شيء.
حاول الآخرون تقصي الحقيقة من المسكينة المبتورة المحطَّمة فلم يحصلوا إلا على بلل الدموع وصوت النحيب. بقيت النسوة ومعهن هند، وغادر الرجال يتوسطهم الحاج عمران بلفافته البيضاء التي لم تمنع تسرب الدم. أحضر الحاج خليفة سيارة لنقله إلى المستشفى، وسط حيرة الجميع مما يجري. هند أكثر من غيرها تعرف أن العاصفة وحدها يمكن أن تقتلع طاهر. تعلم أن الأمر عاصف، لكن لا تعلم اتجاهها ولا مركزها.
عندما بدأ يستعيد ثقته بنفسه قال أستاذه: أنا أدري أن لا شيء غير ذي قيمة يمكن أن يهزك ويؤثر فيك لهذه الدرجة. أعلم جلدك. أعلم قوة إيمانك. أعلم حسن مداراتك للأمور وإدارتها. أنت كالسهم في يد الفارس الحكيم لا يُرمى بغير رمية، ولا ينطلق إلا لضرورة. أدرك أنك أعقل من بعض شيوخ هذه المدينة. فما الذي هيَّجك؟ بعد صمت عميق قال بنبرة يخنقها الحزن حتى تفخَّمت الحروف المرققة. لقد أطلعتني أمي على سر دفين. لقد أخبرتني أن أبي قبل وفاته بأسبوع تشاجر مع المقاول السوري الذي أكمل البيت فيما بعد. قال: لقد اتفقت معه وأعطيته مبلغًا من المال كي يبدأ في العمل قبل دخول الشتاء، فوجئت أنه يكمل بها منزلاً آخر. أمهلته خمسة عشر يومًا كي يبدأ. وإلا كان لي معه تصرف آخر. لكن أبي مات بالسكتة قبل نصف المهلة. فشعرت أن هذا المقاول هو سبب حرماني من حنان أبي ورعايته. اختلق هذه القصة كي يخرج من دائرة الاضطرارية، التي قد تجبره على البوح بالسر الموجع الذي ينبغي حفظه للأبد إكرامًا لسمعة والده , ودرء سخرية الناس. اقتنع الأستاذ أو أظهر الاقتناع. ربت على كتفه وسحبه كي يغسل وجهه. عاد إلى البيت بقي في فنائه، لم يكلم أمه الملقاة في غرفتها. عندما دخل خرجت هند من عندها. نظرت في عينيه رأت هموم الكون فيها، اغرورقت عيناها بالدموع. انسحبت قبل أن يفضحها جريان دمعها، ونحيب قلبها. كل الهواجس دارت رحاها في عقله لا يدري كيف ينتقم. كيف ينتقم دون أن ينفضح الأمر. بقي ثلاثة أيام على هذه الحال. هُدي إلى فكرة. انطلق وجهة بيت المقاول السوري ليهدده بمغادرة المدينة كلها كيلا يضطر لعمل يندم عليه. لا يريد أن يراه. لا يريد أن يرى قاتل أيامه وشرفه وأحلامه. قبيل وصوله إلى البيت رأى أضواء حمراء وزرقاء ورجالاً بزي الشرطة وحشدًا من الناس. اقترب متخفيًا ليصل إلى مجال السمع. عرف أن المقاول قد قتل. تناهى إلى سمعه قول أحدهم: سمعت من أيام فتًى يتوعده بسوء. عرف أنه المقصود. شوش هذا القول تفكيره. أصبحت متهمًا بما لم أفعل. ومن سيصدقني بعدما قلت. وسوس له خطل الرأي بالهروب. ترك المدينة لا يعلم وجهته. الهروب العظيم من كل شيء يسيطر على قياده. تنقل بحذر. مرارة الخوف ووجع المصاب، وضراوة الهم تلاحقه. تنوَّع اعتماده على الاستقرار والمعيشة. مضغ التعب بأسنانه. حطَّ به السير على غير هدى في أرض تبعد أكثر من أربعمائة كيلو متر أقام عند قريب لوالده. بقي أيامًا لا يتكلم إلا لرد، ولا يغادر المكان، الوساوس تنخر عقله، والخوف والحزن ينهشان خلايا روحه. قلق من كل كلمة يسمعها. يخشى ألا يسيطر على لسانه إن سأله مضيفه. حتمًا هو سائله. ماذا يقول وهو لا يدري ما يقول؟ تائه تطغى على عقله أورام اليأس. يذكر دائمًا أن المرء يقع بين كلمتين. إنه لا يساوي نزوة. لا يساوي بضع ثوان. يهوي بلدغة. لا يقدر أن يمنع الغربان أن تقلع عينيه، ولا الذباب أن يمتص القيح المتدفق منهما ومن باقي جسده. ولا الدود أن ينخر عظامه. ولا يملك قدرة الذود عن أصابع قدم ينهشها كلب، أو ضبع أو ثعلب. قرر أن يغادر قبل أن يُجبر على المغادرة، قرر أن يدخل في حشد هائل من البشر يتوارى فيه. دخل سوق الجمعة. الزحام سمة الموقف: بشرٌ. سيارات. أغنام. بقر. خيول. كلاب. قطط. ثعالب. شتلات. عصافير. خرداوات. ملابس. قطع غيار. أثاث. حمام. دجاج... وقف يتأمل يرقب الحركة، يتابع انسياب البشر. شرد ذهنه في جولة بصرية على كل ما في المحيط. أيقظه من شروده صياح وحركة متعاقبة. رأى عددًا من الرجال والأطفال يجرون نحوه. تسمَّر مكانه. ظن أنهم يبغونه جنحوا وراء ديك هرب من قفصه. ضجر من التحول اللاإرادي، لم يحتمل تحوير الفطرة. فرَّ في غفلة من سجَّانه. أحاطوا به اختبأ تحت سيارة. انسحب أحد الأطفال خلفه، فرَّ من فوق ظهره. أسرع. كان المطاردون أسرع. أُجبر على الاختباء. سدُّوا كل أماكن الهرب. قبضوا عليه. أعادوه حيث كان. وجدهم قد عبثوا برفيقاته. لم تبقَ إلا واحدة. خشي أن يكون مصيره كمصير الديك. انتبه إلى أنه قد ترك أمه لقمة سهلة في أفواه العابثين. وأنها قد تكون كالدجاجات. عاد من فوره في رحلة عكسية. عانى مشاقّ لم تتضمنها خطته في الحياه وصل ليلاً كما خطط. ذكرته بسهام وقَدْرَ معاناتها وهي المرأة. كيف عَجَزْتُ أن أفعل مثلها؟ لقد واجهت مصيرها. لم تركب مطية الهروب كما فعلت. ليس عيبًا أن يقتدي المرء بمن دونه، يستقي من تجاربه ما يعينه على تطويع واقعه، وسبر أغواره، ليقف على أنجع السبل لقهر القهر، وبتر الأوزار. في الأرض براح يفي حاجة الكريم، ويضمن له صون نفسه من أن تقع بين أنياب الهمز واللمز، ويحول دون نهش البغض لأحاسيسه. ليس كل الهروب هروبًا للأسوأ، وليست كل هجرة تعني الشتات. دخل البيت دون أن يدري به أحد إلا قلب ارتفعت نبضاته. موجات لا إرادية سرت مجرى الدم في حواسه. تفاجأت أمه بعودته احتضنته. لم يتمنع. فطرة الحب طغت على غصة الإثم. أخبرته أنهم يبحثون عنه. هل قتلته؟ أأنت الفاعل؟ صدقيني لم أفعل. لكن ليتني وجدته حيّا. همس في أذنها: جهزي ما تحتاجين مما خف حمله ولنغادر - إلى أين؟ إلى حيث يقدر الله. تسللا متسترين بسكون الليل وسلطانه على أعين البشر خلا العاشقين. كانت هند تراقب كل شيء. علمت بوصوله منذ دخوله مجال إرسال قلبها. عرفت أنه جاء ليأخذ أمه في سفر طويل. اعشوشب بالأحزان قلبها. انطفأت جذوة الحلم الوردي برذاذ اليأس. تلاشى الأمل في المستقبل. فتحت الباب تسرب منه خط ضوء يسير في استقامة لا تقطعها سوى حركة الباب. فطن للضوء. نظر خلفه. تحقق من حدسه السابق. عرف أنها شغوفة به. لكن عقله زجر عاطفته: في الضياع تُخَدَّرُ العواطف. تنهَّد طويلاً وتلاحقت خطاه ...




يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
متابعات
مختارات
avatar

المشاركات : 1292
. : ملتقى نور المصباح الثقافي

مُساهمةموضوع: رد: رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان    05.02.11 21:36

11 والاخيرة


النُّطفة

هبة وتوأمها أيمن حِبَّا جدهما، يحبهما أكثر من أبيهما وإخوتهما وإخوته وأبنائهم. يهش للقائهما. يتلذذ بمشاغبتهما. ينامان ويأكلان معه، يحرص على تناول حساء الزعتر من يدي هبة. يرى فيهما شيئًا من نفسه، يفرض نوعًا خاصّا من الوصاية بهبة، وقدرًا هائلاً من الدلال الذي أحسنت استثماره. وعناية أكثر خصوصية بأيمن. يحرص على اصطحابه إلى مجالس الصلح، أو اجتماعات ترتيب البيت الداخلي للقبيلة. يجلسه في حجره وبجانبه إذا حان وقت حديثه الحاسم لأي نقاش أو قضية. يرى فيه نوعًا من النبوغ العقلي يُميِّزه عن أحفاده كافة وربما عن أبنائه. الأعراف والنواميس تقتضي عدم التفريط في شرف القيادة على الرغم من مسئولياتها لما تمثله من شأن معنوي وموروث بالغ الأهمية. الفطرة غرست ذلك في النفوس، والفطرة هي التي جعلت الأسد يحرص على الزج بأشباله لميدان الحياة كي يكتسبوا المهارة التي تؤهلهم للدور وتمكنهم من المحافظة على إرث السيادة. الجد يدرك أن أبناء عمومته يتحينون فرصة تمنحهم حق الانقضاض على المنصب الاجتماعي واسترجاع ما ضيعه جد جدهم. لابد أن ينشأ أيمن في أحضان المجالس، وأن يربي شخصية قوية تمكنه من الوقوف بجرأة أمام أي حشد، وتفرض على الآخرين الإنصات والقناعة والطاعة. وأن يُكوِّن مخزونًا من الحكم والأمثال والروايات والأشعار التي يتغذى عليها حسن البيان، وتشكل حصانة تأثيرية على ألباب الآخرين. فكل طرح يحتاج مقدمة تناسبه، وأسلوبًا يقويه. يستغل أي فراغ لديه للانفراد به. يسرد عليه قصص الكرم والشجاعة ويغرس في نفسه قيم الولاء للقبيلة والوطن. يوصيه بحسن الاستماع، واختصار الرد. يوصيه بطاعة والديه، ويحذره من أن يطمح ليكون مثل والده؛ فالمسئولية الإدارية مشاكلها كثيرة، ومغرياتها أكثر. أبوك لا يعلم أني أعلم عنه الكثير. أطعه ودافع عن قناعاتك. لا تركن للاعتماد على مكانته. أن تقول أنا فعلت خير ألف مرة من أن تقول فعل أبي. اسع لتكون لك الشخصية المستقلة. إن كان لك رأي فاحرص على أن يكون صائبًا، وقف دونه مجاهدًا. لا تتركه وحيدًا في مهب غايات المشككين. إياك والرأي المؤسس على الهوى فإن خدمك مرة يخذلك مرات. وإن أردت أن تنال شرف الأشياء فعليك أن تكون – على الأقل – جزءًا من صناعتها.
كان أيمن لا يضجر من مرافقة جده ويسعى لتوفير كل احتياجاته. يفرض على الجميع رغبات جده في الأكل، والشاي الثقيل المر. وعندما تقدَّم به العمر وهدَّه المرض كان لا يفارقه ينام بجانبه ليلبي كل طلباته. يأخذ في تأمل التجاعيد التي تُميِّز خديه وجبينه. يبتسم ساخرًا عند تذكره لمرافقة جده في زيارة أضرحة الأولياء، وينتقد بعض التصرفات التي كان جده على قناعة بها ويراها من العقيدة. لقد كان شديد الحرص على أن ينذر شاة كل سنة لواحد من الأولياء. يذبحها عنده ويضع على قبره قماشًا ويقطع قطعًا صغيرة من القماش القديم ويأمر الصغار بوضعها حول معاصمهم. ويأمر بأكل بعض التراب من غرفة الولي، وحمل قدرٍ يسيرٍ في صرة والاحتفاظ به. كم تأسف أيمن على تركه للنقود التي كانت منثورة فوق قبر الشيخ. كانت العقيدة التي رسَّخوها في أذهانهم أن الشيخ يقطع يد كل من يمسُّ درهمًا واحدًا، ويفضحه في كل مكان. أدرك كم كان ساذجًا في تصديقه لهذه الخرافات.
سهام وهبة توأمان تخلَّقا سويّا في أحشاء المحبة. رضعا من ثديي الصداقة فتميزت علاقتهما بالود والصدق والصفاء. الفرح مشترك، والحزن مُوزَّع. لقد شهدت هبة بصحبة النجوم الزفاف الثاني لسالم ونورا. الأول كانت الخطيئة شاهده، والثاني كانت ثمرة الخطيئة شاهده. شاركتها فرحتها التي لا توصف، وسعادتها التي لا تقارن .
في غرفتهما طلب سالم من نورا أن تحضر هدية سهام وتفتحها. حجمها الكبير يغري فضوله بمعرفتها. أخرجتها من بين الهدايا، ونزعت عنها الغلاف. علت وجهها ابتسامة لم يعهدها من سنين. سألها عن سرها قالت: إن هدية ابنتك. قالت وهي تضحك. إنها رقائق الذرة. شاركها القهقهة. دعوا لها بحياة هانئة وخلدا لحياة سعيدة.
الأيام تمر والسنة في نهايتها ولم يبح أحدنا للآخر بنجواه، ربما أنا واهمة قد يكون شعورٌ بالاحترام فقط لم يرقَ إلى مرتبة الحب. ليست كل ملاطفة تعني عشقًا. الحياة مزيج من المشاعر والأحاسيس، ولكل شعور أو إحساس دربه الموصل إلى منتهاه. أيكون دربه هو الدرب الذي أسير فيه؟ أم أنه موازٍ له؟ ولكن كيف لي أن أتحقق؟ ليس من الجرأة المحمودة أن أكون المبادرة. كيف سينظر إلي؟ ثم لا أدري كيف سيكون رد فعله. هل رفضه للفتاة شيماء يعني أنه راغب عنها لالتزام قلبه بي، ربما كان بسواي. أشيري علي ما الذي ينبغي أن أفعله دون أن أسيء الظن بنفسي. لم تسمع تعليقًا. كانت سهام تفكر في وضعها الجديد. وتفخر بما أنجزت. لقد خسرت حبّا. لكنها جلبت حبّا وأمنًا وسعادة. أعادت ترميم كيان محطم وقوّت دعائمه. لم تعِ شيئًا مما قالته هبة. اختصرت لها القول: لا أحد منا يعرف شعور الآخر على حقيقته، كيف لي أن أعرف وقد سرى حبه في جسدي. قالت بتهكم: أنا خبيرة بعشق الآباء. إن فارق أبوك أمك أخبريني سأعيده لها. حاولت نهرها. جرت خطوات. استجدتها أن تعطي الموضوع أهمية. قالت: أتريدين معرفة شعوره؟ وماذا أقول من ساعة. حسنًا. كنت قد عزمت ألاَّ أتدخَّل في صنع هذه العلاقة، ولكن ما دمتِ ترغبين في مقاسمتي سأقبل. ابتسمت هبة، بادلتها سهام ابتسامة من الأعماق وأمسكت بيدها اليمنى. ربتت عليها وقالت لها: اتبعيني إلى المكتبة واجلسي في الداخل ولا تتكلمي. خذي كتابًا. أي كتاب وتظاهري بتصفحه. استجابت هبة للطلب. دخلتا المكتبة، وتوجهت هبة إلى حيث أمرتها محتجبة عن أنظار أحمد. بينما توجهت سهام إلى أحمد. طرحت عليه بعض الأسئلة عن بعض الكتب ثم سألته عن هبة.
ردَّ: لم أرها من أيام.
قالت: إنها تعاني من مضايقة شاب لها. يعرض عليها حبه وهي له كارهة، على الرغم من خلو قلبها.
أصحيح هذا؟ من هو هذا الشاب الأحمق اللعين؟ سأدك أنفه وأخلع قلبه حتى لا يعرف عن الحبِّ شيئًا بعدها.
قالت: وما شأنك أنت حتى تتورط في قضية لا تعنيك ولصالح فتاة لا تنتمي لك بأي صلة؟
إنها حمية العربي. وشهامة البدوي الأصيل.
أجابت بنوع من الاستخفاف بالقول:أُصدق نصف ما تقول.
قال: لك الحق. أنا وبصدق أعترف لك لعلمي بمنزلتها في نفسك. أعترف بأني أحمل لها حبّا طاهرًا بين جوانجي، أخشى البوح به مخافة الصد، ومثلي لا يحتمل النكسة. ربما هي لا تفكر في الارتباط إطلاقًا. هنا سأحتاج مساعدتك.
قالت: مادمت قد اعترفت لي. إنها هناك اذهب واعرض عليها قلبك. وإن احتجت مساعدتي بعدها ستجدها.
ثلاث طالبات أردن استعارة كتب وطلبن منه تسجيلها. أخذها وسجلها على عجل. أقفل السجل، جاءت رابعة وخامسة، صاح على أحد زملائه وأوكل له المهمة. وطوى المسافة التي تفصله عن مجلس هبة. حيَّاها وطلب الإذن بالجلوس. لم تنطق ولم تمانع. تحيّر في تخير مدخل للموضوع. اهتدى أخيرًا إلى سؤال يعيد إلى اللقاء الأول: ما أخبار بحثك؟ هل أنجزته؟ هل أقره المشرف؟ أجابت بنعم. اختصار الإجابة أعادة إلى نقطة البداية. جرَّب سؤالاً آخر. هل أنت مستعدة للامتحانات. أجابت: إن شاء الله. اضطر إلى إلغاء المقدمة: لقد أعجبت بأخلاقك وجمالك، وحسن تعاملك من أول يوم دخلت فيه هذا المكان، ونما هذا الإعجاب فتحوَّل إلى ميل ثم هوى مما جعلني أسعى لمفاتحتك والإقرار لك بحبي. طأطأت رأسها وتوارت عيناها في وجنتيها اللتين صارتا كشفق شمس الصيف. نظرت في وجهه نظرة خاطفة تكسوها ابتسامة خجولة وغادرت المكان.
يتعين على هبة بعد أن وضعت لها سهام حجر أساس علاقتها بأحمد أن ترفع قواعد صرح علاقتها لوحدها؛ فسهام لديها ما يكفيها. تبحث في المصادر والمراجع عن مادة تقوي بها متن بحثها، وفي المقررات عن رصيد ذهني يعينها في الامتحانات، وتبحث في الحياة عن شاطئ حنون يرسى سفينتها الحائرة في يم التقلبات، وتنزل باقي حمولتها من الهم. ويتذوق قلبها طعم الاستقرار والراحة من عناء الصدمات والمفاجآت. لقد عاشت ما فات من عمرها معلقة بحبائل الأوهام التي بدأت تبلى بفعل أشعة الحرمان العاطفي. تسعى لأن تستعيد توازنها بعد الوضع الجديد لعلاقتها بالحياة. على هبة أن تحسم أمرها فكل شيء محسوب عليها. قررت أن تؤسس لعلاقتها على بنيان واضح ومتين.
تعودت ما إن تقوم من فراشها حتى تفتح النافذة على مصراعيها. تقبض بكفها الأيمن على معصم يسراها وترفعهما أقصى ما يمكنها وعلى استقامة فوق رأسها، وتسحب نفسًا عميقًا. الغرفة تقع في الناحية الشمالية للسكن. يوم دافئ. ساكن. رياحه مكبلة. خالٍ من أي حركة عدا تفتق الأزهار بفعل إلحاح الندى، وجموح رغبته في تقبيل كل ما يعن له. وصوت منقار طائر يرتشف قطر الندى من نتوءات الزنك في جراج السكن المجاور. كأن هذا اليوم لم يخلق للبشر؛ إنما للفراشات والأطيار والأزهار. سكبت الماء في راحتيها. أطبقت بها على وجهها. شعرت بمداعبة الماء البارد لوجنتيها. خانتها فروج أصابعها. كررت الفعل. ثم احتست كوب الشاي والحليب مع إصبع من الخبز الجاف. تحرَّت عن أناقتها. رمت بالحقيبة بين كتفيها وانطلقت. خمس وثلاثون دقيقة كانت كافية لوصولها. دخلت قاعة المكتبة وطلبته للحديث. تنحيا جانبًا وتحدثا وقوفًا. قالت بحياء العذارى: أمام حبك واحترامك لي لا أملك أن أرفض عرضك، ولكني أرفض أي اتصال خارج معين الشرع. فالحب بمعناه السامي طمأنينة، والطمأنينة موثق لابد من تحققه لضمان سير أبدي في النور. انتظرت جوابه. قالت في نفسها: قد يفسر الأمر على أنه بحث عن السيطرة، أو إملاء شروط من البداية. لم تكن تدري أن هذا مطلبه، وأنه زاد من احترامه لها وضاعف تعلق عقله بها قبل قلبه. عرف أن خلوقًا محافظًا مثله لا تجدر به إلا صوَّانة لنفسها وعفتها. رد بعد برهة تأمل: يسعدني هذا الطلب وعن قريب سأسعى لتحقيقه. كانت ابتسامة الرضا التي أطلقتها في فضاء الأمل بمثابة النقطة.
هبة كغيرها غدت تسلك سبلاً وفجاجًا لتصل إلى مبتغاها، غير أن سبلها مستقيمة نظيفة؛ فلا وصول بدون مسير. الكل يسير ويخطط ويسعى جاهدًا لنيل مأربه وإن كان السير والتخطيط والسعي خارج إطار حقيقة النهاية الحتمية للذات الفردية التي تمثل الملكية الوحيدة والمطلقة للكائن البشري ما لم تقع في قبضة شيء آخر أقوى في الملكية، وأعم في الإطلاق. لتنشأ لحظة التحول. اللحظة التي تحكم بدون شفقة بوأد الأحلام، وبعثرة الخطط. لتتلاشى على ضفاف الأحلام الموءودة أحلام أُخر، بتجرعها سم الفناء الموصول , المدسوس في أحلى اللحظات بيد سلطان جسور جريء، مالك لسطوة لا تعرف شكل العاطفة، تنفي بوحشية مجرد فكرة ديمومة الأشياء. مما يجبر المرء على ألاَّ يُفْرِطَ في أحلامه، ويدرك أن كل شيء مكبَّل بوثاق التلاشي، وأن الفعال وحدها الباقية.
ما إن انقضت الامتحانات حتى كانت والدة أحمد عند أهل هبةوقد اصطحبت معها كبرى بناتها. لم تتركا شأنًا يثني على أحمد إلا وتحدثتا فيه. طوله. عرضه. شكله. شخصيته. هدوؤه. صدقه. حبه للعمل وإخلاصه فيه. حبه لمساعدة الغير. غض بصره. شيء واحد لم يطرقاه "السكن المستقل". أم هبة تقابل ذلك بالإطراء والدعاء بدوام الخير لأهله. انتهى اللقاء بوعد بالرد بعد مهلة يطرح فيها الموضوع على الرجال أصحاب الشأن الأول.
سهام لم تشأ المغامرة بعواطفها. هي لا تبغي العلاقة كملهاة؛ إنها تبحث عنها كحق طبيعي في الاستقرار. والكل يقف عند هذه النقطة (النطفة). لا أحد يريد الارتباط بـ... وإن أقنعت عاطفة صاحبها فإنها تنكسر أمام رفض الأهل. هبة تتألم لوضعها وتدعو لها من قلبها أن توفق في علاقة عفيفة كعفتها. فليس من السهل على فتاة مراهقة، وظروفها كظروف سهام أن تصون عفافها. إنها حالة شاذة، فكل المعطيات تؤهلها للانحراف لكنها لم تنحرف. هناك وازع داخلي يسير سلوك الفرد. التوجيه الخارجي عنصر مكمِّل وليس أساسيّا. نعم هو كذلك. وفي الوقت نفسه تفكر في مآلها. هل ستسير أمورها على ما تحب. تتمنى ذلك، ولكن ليس كل الأماني تتحقق، فلو كانت تضمن تحققها ما غدت أماني. لقد أوغر قريب لها مغرم بها عن بعد لكن خشيته من زوجته تَحُولُ دون مُجَرَّدِ التفكير في طلب يدها، أوغر صدر شاب قريب الصلة من هبة بضرورة منع الغريب من التمتع بهذه القطعة الثمينة. إنه أحق بها. اعترض الشاب على أحمد وأبدى رغبته في الزواج بها. فوجئت هبة. واعترضت على الارتباط به. لا مواصفات خلقية ولا أخلاقية، ولا علمية تربط بينهما. لم يشأ أهلها ممارسة أي ضغط عليها. إن أباها لا يزال يحترم وصية والده بعدم مضايقتها. أحمد لم يستسلم. بحث عمن يؤثر على الشاب. عرف أنه لا يريدها. لكن هناك من حرضه. اقتنع بالانزياح عن طريق سعادتهما. فرحت هبة بالنبأ فرحًا كبيرًا أنساها أن صروف الدهر لا تثبت على حال. ولقد نسيت أن الحياة ذاتها هي التي صنعت مصائر: نورا وسهام وطاهر وكمال وطارق... ومع هذا فإن من حق العائد من اليأس أن يبتهج للأمل. أُعْلم أحمد بموافقة أهل هبة. وبتحديد موعد الزفاف بعد أن يفرغوا من زفاف أخيها الأكبر (سامي).
أُكملت استعدادات الفرح بالأنوار ونصب البيوت والخيام وتوزيع الدعوات، وبتجهيز حشد من سيارات الأهل والأقارب والأصدقاء. أصرَّت على سهام أن تكون ضمن الركب المنطلق مسافة سبعة وخمسين كيلو مترًا حيث أهل عروس سامي. تجهَّزت السيارات للانطلاق. أرادت هبة أن تطمئن على صديقتها. لن تجد مكانًا يمكن أن تأمن عليها فيه كسيارة أيمن. صعدت هي في السيارة التي جهزت لحمل متاع العروس. انطلقت السيارات تسبقها أصوات الأبواق المتعددة النغمات. ضغط أيمن على زر تشغيل التسجيل، ألقى بأحد الأشرطة في جوفه علت الموسيقى، انطلقت حنجرة المطرب: (كتاب حياتي يا عين...) أخذت صفحات كتاب حياة سهام تتابع أمام ناظريها فطارت بذهنها الذي أدخلها قبو حزنها. كانت تجلس مقابل مرآة السيارة الداخلية. تنبه أيمن لشرودها خلف كلمات الأغنية. قطعوا المسافة في أقل من الزمن الاعتيادي. نبَّه أيمن السائقين على ضرورة التقيد بأصول القيادة وترك المجال للسيارات الأخرى للمرور. في رحلة العودة لم يأبه البعض بتوجيهات أيمن، يقودون بتهور غايتهم الاستعراض أمام الفتيات المرافقات للموكب. حمى اللامبالاة بالذوق وبقيمة الآخرين دفعت شابين إلى استعراض السرعة وسط صخب الأغاني، وعبارات الثناء وعلو الشأن التي تطلقها حناجر المراهقات في صيغة أشعار. ألهبت حماسهم. لم يدرِ أحدهم بنفسه إلا وهو وجهًا لوجه مع سيارة نقل، اضطر للضغط على الكوابح مرة واحدة. انفجر الإطار الأمامي. خرجت السيارة عن مسارها وأخذت تدور. السيارة التي تركبها هبة خلفها تمامًا. اصطدمت بها. طارت السيارتان في الفضاء. ثم سكنتا وسكنت أنفاس كُل من كان فيهما. سكن كل شيء. ضُيِّعتِ الفرحة. تعالت الأصوات بالنواح. حالات انهيار. أغمي على سهام وهي منكبة على جثة توأم روحها. سقط أيمن بجانبها. آخرون يدفعونهما لنقل المصابين يحدوهم الأمل في إنقاذهم. الغربان كانت تحوم من بعيد في رحلة الذهاب لكنها الآن تحوم فوق الرءوس. كل شيء توشَّح بالسواد.
ماتت هبة. شُوِّه الجمال. ما أبشع أن يُشوَّه الجمال. ما أفظع أن يوأد الحلم ويسحق بقسوة تحت أقدام الطيش. ما أهون الروح في تصرفات الحمقى. مروِّع هو اغتيال الفرح. مُنكَر هو سفك دم البراءة بيد التهور. مؤذٍٍ هو الغرور. اللامسئولية خلل فتَّاك يتغلغل في كيان المجتمعات؛ إنه من السمات الغالبة في العصر.. أن تموت أهون ألف مرة من أن يفجعك الموت في حبيب. وقع نبأ موتها على أحمد كوقع صاعقة على هشيم. لم يُصَدِّق. لكن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها أو تجاهلها، لا يمكن للوهم أن يغطي وجهها. دون وعي يعاتب الموت: رهيب أنت أيها الموت. سارق لا ملجأ منك ولا رادع لك. أنت أيها الموت المتعدد الأسباب. المتربص بأحلام الطيبين. ما أقساك أيها الموت على القلوب، وما أشد قسوتك إذا كان السبب مشوهًا. أكثر ما يسوؤك أيها الموت أنك رءوف بالطائشين. لا تمهل الطيبين. أدرك أنها القدرة الإلهية. ألم يقض الإله أن ليس على المريض حرج؟ أوليس المفجوع أشد مرضًا؟
تساوت أحزان الجميع. الجيران والأنساب والأصحاب مع أحزان أهل الضحايا، مع أحزان أهل هبة، مع أحزان سهام، مع أحزان أحمد. لكن مصاب آل هبة وأحبابها كان أكبر، لقد فسدت فرحة اليوم، وفرحة الغد. كان زفافها على أحمد سيتم بعد شهر. كل الحسابات تغيرت. لا يأمن القدر إلا غافل.
أيمن حالته النفسية حرجة؛ إنها أقرب الأهل منه، جمع حُبُّ جدهما الراحل بينهما، كما جمعتهما أحشاء أمهما قبل مجيئهما، لكنها اليوم ترحل وحيدة. أيمن لا يبدي الحزن إنما يكتمه. وجد في حزن سهام عليها خير عزاء. هي الأخرى امتنعت عن الأكل والشرب أيامًا حتى خاف عليها الأهل. استنجدا بصبر أيمن وأمه كي يخرجاها من حالتها. شيئًا فشيئًا مع كلمات أيمن التي تحمل عظات كان قد استقاها من جده بدأ حالها يتحسن وهي لا تفتأتذكر هبة وأيامها، وتندب حظها في العيش بسلام. ولكنها أدمنت معرفة أن التلاشي سمة الكون؛ فالبذرة تتلاشى بمجرد انفلاقها، فهي إمّا أن تلتقي بأديم الأرض والماء فتنمو وتشكل نبتة من ذات الجنس الذي جاءت منه، وإمّا أن تتكشف على الريح وتفتقد الماء؛ فتجف وتندثر فلا بذر ولا حلة خضراء تكسو وجه الأرض، ولا زهر أبيض أو أصفر أو أحمر، ولا ثمر منه السكر يقطر. تلك هي الحياة. إن التكون البشري إن وجد الحضّانة نما وترعرع، و إلا أفل وبقي بلا قيمة على الرغم من الوجود، مما يعني أن الوجود ليس كتلة لحم يجري فيها دم، ويخرج منها ويدخل إليها نزر من هواء؛ إنما الوجود فعل وعطاء. الوجود عقل وفكر وساعد وهمّة. الوجود خوض لمعترك الحياة، وحسن التعامل مع المعطيات بغض النظر عن كينونتها أو وجهتها؛ فأنا أفعل أنا موجود، وليس أنا أتكلم فأنا موجود.
رياح الشمال لا بد وأن تمر بالبحر، ولزامًا أن تتشبع بنسيمه، ورياح الجنوب لا بد وأن تمر بالصحراء وحتمًا تحمل معها كمّا من رمالها، والغرب حليف الجنوب، والشرق حليف للشمال، وسنة الحياة تقتضي حتمية أن نعي هذا التوافق واللاتوافق الفطريين، وأن نتيقن بأنها ستلتقي يومًا في منتصف الطريق ويتلاشى تأثير الكل في الآخر فيحدث الاعتدال الذي ينشئ التوازن.
علينا أن ندرك حقيقة انعدام الديمومة، وأن نتقبل عن إقرار ذاتي بأن هذا الانعدام هو البؤرة الحقيقية الناصعة لقيمة الأشياء؛ فالديمومة المطلقة للفرح والسعادة والنجاح والصحة والربح والتفوق والفوز والغنى تعطل القيمة الفاعلة للانتشاء؛ لانعدام معرفة قيمة الضد وهي الحزن والأسى والإخفاق والمرض والخسارة والفقر. ومعرفة هذه العلاقة الثابتة هي المحرك لمبدأ الحرص؛ لأن المسألة في هذا الشأن تحتمل نتيجة واحدة تتمثل في أن الانزياح عن الشيء يعني الوقوع في دائرة ضده، مما يستوجب التأكد من توهج الشمعة قبل إطفاء عود الثقاب.
النسيان أجلُّ النعم، على أن يكون نسيان الأحزان لا نسيان المفقود، وهذا ما كان عليه ثلاثي العلاقة الحميمة بهبة، باستثناء أحدهم لم يفق بعد من صدمته على الرغم من مرور أشهر، ويبدو أن النسيان أحيا – من جانب آخر - عاطفة جديدة. سعي أيمن للاطمئنان على سهام ينطلق من باب وفائه لهبة، لقد عرَّفته بسهام قبل أن يراها، كانت كثيرًا ما تنقل له حزنها على سهام وكيف أنها ضحية غيرها. وتنعت له أدبها وجمالها وذكاءها، وكيف أساء لها الآخرون وحمَّلوها وزرًا لم تقترفه. المحنة المشتركة قربتها منه وجعلته يشعر عن قرب بمدى معاناتها ولا سيما بعد فقد الكائن الوحيد المتعاطف معها، والمتفهم لوضعها. قرر ألاَّ يجعلها تشعر بغياب هذا الكائن خاصة أنها تحيي – دائمًا – في نفسه وجود هبة، فالوفاء يقتضي الوفاء.
بعد كر وفر فكري عقد العزم على مفاتحتها وكله ثقة في أنها ستتفهم غايته. في جلسة خاصة ذكَّرها بهبة وما كانت تكن لها من مودة خالصة. رقرق الدمع في عينيها. وعدها بألا تنتهي هذه العلاقة، بل ينبغي أن توطد بشيء ذي قيمة. لم تعِ ما يقول. أنا أشعر بوجودك بين جوانحي، ووجودك مستمد من وجود هبة. وأرجو أن تحلي فيّ ذات الحل الذي غادرته. أصابها وجوم فَهِمَتِ القصد ولم تفهمه. تنبَّه لشأنها. بصراحة أرغب في الارتباط بك. فإن كنت لا تمانعين سأرسل والدتي. ذُهِلَتْ من الحقيقة التي ترغبها ولكن تخشاها. أيمن فيه كل الامتيازات، لم تكن تحلم بأن يكون من نصيبها. لكنها تخشى الحقيقة. أخرجها من شرودها: ماذا تقولين؟ بعد صمت طويل قالت: أنا أخشى عليك. فهل تعلم أني نط... وضع يده على فمها منعها من النطق بها: أنت لست كذلك أنت طاهرة عفيفة. ولقد عرضت عليك الأمر وأنا أعلم عنك كل شيء. أريد موافقتك فقط. هيا قوليها. نظرت في وجهه بوجه مبتسم. هزت رأسها بين الأسفل والأعلى ثم انصرفت.
أمامه عمل طويل ومضنٍ. هل سيوافق والده؟ هذا أمر مستبعد. وكيف سيتصرف حينها. جده نصيره قد رحل. لكن وصاياه لا تزال عالقة. سيدافع عن رغبته لقناعته بصحتها. لن يترك رأيه في مهب العرف والخوف من كلام الناس. ومن هم الناس؟ إنهم خليط من أوزار. أغلبهم يؤذنون وأرجلهم في النجاسة. أليس الذي ضيّع هبة ومن معها منهم؟ أليس الذي حرَّض الشاب على عرقلة ارتباط هبة بمن تحب منهم؟ أليس والد سهام منهم؟ أليس منهم من يكذبون ويسرقون ويخادعون؟ لا بد من إبلاغه بالأمر ليطلب له يدها من أهلها.
أبلغ أمه التي أبلغت والده الذي تطاير الشرر من عقله. كيف يفكر في أن يرتبط بمثل هذه. علاقتنا بها لا يجب أن تصل مرحلة الانضمام للأسرة. أرسل إلى أيمن أبلغه رفضه بشدة، وأن عليه أن ينسى أمرها والعلاقة بها. احتج أيمن على الرفض واعتبره غير مبرر. زاد غضب والده، أبَعْد ما نعرف عنها تقول إنه غير مبرر؟أتريد أن تكون أم أحفادي ابنة زنا؟ نطفة حرام؟ قال أيمن بهدوء: يا أبي النُّطف في أصلها ليست حرامًا. إنها حلال. عملية التحول تتولد عن تصرفاتنا. نأكل الحرام فتتخلق النطف في أصلابنا من حرام. نغتصب حقوق الناس ونربي بها أجسادنا التي تحمل النطف فيكون مستقرها من حرام. نسكبها في غير مكانها فتلتقي بالمعين الآتي من الترائب التي ارتضت استقبال ما ليس لها فيه حق. نروضها بالنظر الحرام، والسمع الحرام، والقول الحرام، والشَّم الحرام، واللمس الحرام فيتخلَّق تهيج من حرام؛ وينقلب الحلال حرامًا ثم نصب جام غضبنا على ضحايا نزواتنا. أنت تقول إنها ابنة حرام. قارن فعالها بفعال من تظنون أنهن بنات حلال. ثم هل ينبغي أن يزر مخلوق وزر غيره؟ وهل من العدل أن ننقد الآخرين على ما استكرهوا عليه؟ كيف لنا أن نعاتبهم على أوزار ليست صنيعة أفكارهم؟ وكيف يمكن أن نحصر حياة امرئٍ في وزر وقد استخلفنا الأرض بوزر؟ ثم نحن أبناء رجل قتل أخاه. الأوزار صفة في الخلق وحده الخالق منزَّه منها. من منا بلا وزر. ألم تمت هبة نتيجة وزر؟ ألم يمت أحمد المسكين كمدًا بسبب هذا الوزر؟ أكل ما نفعل في الفرح والحزن صحيح؟ ألا تشوب الأوزار كل تصرفاتنا في القول والفعل؟ وهل يستطيع بشر في وقفة صريحة مع نفسه أن ينزهها من أي وزر؟ الحمد لله على نعمة طي الصدور على أسرارها. إني يا أبي أحترم رأيك. وسأطيعه مهما يكن قاسيًا. ولكن أدعوك إلى أن تستمع لصوت العقل، ولا تجعل خطل الرأي، ووسوسة العاطفة هما ما يصوغان لك القرار. ياأبت الخطأ وارد منا جميعًا. لا بد أنك قد فعلت خطأ. وأقررت به بينك وبين نفسك على الأقل. حرَّك هذا القول الجريء غير المتوقع من الابن. غبار سنين عفت ديارها. تأبد إحساسه. وأحس بزيف وقاره. وكأن هذا القول يعنيه دون سواه، ودون أن يقصد أو يدري. لقد وقع في نفسه وقعًا عظيمًا مما حمله على الإقرار خفية بشأن ذاته؛ فكم هو غافل عن تكوينه هذا الطين الصلد المتعجرف ناقع في الماء الملوث، هذا الهيكل البالي. عَمٍِ عن حقيقة ذوبانه. يلهث وراء الزيادة وهي نقص. يتصرف بوضاعة الطين وهو معلق في الحياة كالخفافيش. أين كانت بصيرتي عن الصواب. كيف لم أستعن بها على الأوزار التي اقترفتها. وأنا اليوم أجني على مسكينة ليس الوزر وزرها بل وزر أولي رغبة وشهوة مثلي. لقد غرني المنصب. وبهرتني الحياة بزخرفها المصطنع المزين بالآثام، المحلى بالمجون. كم كنت تافهًا وأنا أقايض الناس على مصالحهم. بدفع قيمة التسهيلات التي هي حق لهم في الأصل وما هي إلا وديعة عندي. ومن ليس معها المال يمكن أن تمنح شيئًا بديلاً... آه كم دنَّست شرف غافل. وكم تجبر الحاجة البعض على التفريط في أعز ما يملكون حتى يغدو الأمر عادة . نعم كنت مغتصبًا للأخلاق. للقيم. للنعمة... واليوم بكل جرأة أقف واعظًا وأنا أبعد ما أكون عن هذه الصفة، فلا أستطيع الإقرار بما فعلت ولو لابني. أقل ما يمكن عمله أن أوافق. سأذهب في الغد للسؤال عنها. وأتأكد من بعض الأمور.
من ضمن ما اكتسبه عن جده ولعه بالصيد، كان يرافقه في رحلات الصيد التي لم تكن بعيدة فورثها عنه كما ورث عدة الصيد، وكان لا يترك يومًا من موسم الصيد دون أن يذهب فيه للصيد أو يُحَدِّث نفسه به. ذات يوم وقد ارتفعت عنده درجة الرغبة في الصيد بحث فيه عن بندقية الصيد أُخبر أنها مع سامي. بحث عن غيرها فلم يجد غير بندقية محلية الصنع مع ابن خاله. وطأة الولع أجبرته على الصيد بها على الرغم من الإقرار الداخلي بخطل الرأي. انطلق صوب المكان، شاطئٌ بحري ممتد بين المساحة والأخرى يباغت السهل ويقتطع مساحة من جوفه يتغلغل في داخله ليكون خلجانًا صغيرة، تحيط بها تلال رملية تتخللها شجيرات القطف والسدر والحلاّب.(*) وتقف فوق رأسها بعض النخلات القديمة. فوق الرمال تتناثر أحجار ملساء وأصداف وأنواع من القواقع الفارغة جميلة الشكل، كما تتناثر مخلفات السفن التي تجوب البحر. ألواح، وزجاجات زجاجية وأخرى بلاستيكية فارغة لها أشكال مميَّزة، وبعض العلب، وبقايا حبال، وقطع إسفنجية. كان الصيد وفيرًا. ثمان يمامات والتاسعة كانت عينه اليسرى. لقد خُلِعَتْ من مكانها. أنفق الأهل مالاً كثيرًا على علاجها واستبدالها بعين زجاجية. لكن المال لم يستطع رفع معنوياته. إنه يعتبر البصر مُكَمِّلا للبصيرة. وأن النقص منقصة. لم يعد له الحق في سهام. لا ينبغي أن يجني عليها بالارتباط بذي عاهة. انقلبت الأوضاع. أصبح والده هو الذي يصر على طلب يدها وهو يرفض. كان يخشى وقع رفضها. قرر والده طلب يدها. قال له: لنختبر علاقتها وخصالها. رضخ لإرادته وسلّم بالأمر وهو يقر بأن لها الحق في رفضه. في جلسة مع أبيها أطلعه على نية أيمن في الارتباط بابنته سهام. طلب منه مهلة للاستشارة. أطلعها والدها على رغبة والد أيمن في أن تصبح زوجة لابنه. تدخلت والدتها: أبعد أن غدا بعاهته؟ ارتفع صدر سهام مع ارتفاع نَفَسِهَا وقالت: عاهة النفس لا عاهة الجسد أشد إيلامًا. ماذا كان يُخمن المجتمع؟ كيف كان ينظر لواقع ومستقبل فتاة كل المعطيات الواقعية تؤهل لانحرافها. لم يكن لهم ثقة في معطيات الذات العفيفة. شحذوا مخيلاتهم بصور السلب. يُقيِّمونَ المرئي من منظور ذواتهم العطشى للزلل. جردوا أحاسيسهم من كل رجاء في الخير حتى عَموا عنه. بنوا الأحكام على الآني. لم يخطر ببالهم أن غيومًا تتلبد في برهة من الزمن قد تقلب صفاء اليوم، وتجرف كل خواء. يا أبتاه: اعلم أن معايير التعامل تتأثر بما هو سائد. يا أبتاه: اعْلَمْ أني أعْلَمُ أنَّ الشاطئ بعيد، والأمواج عالية، والشراع في فم الريح، وأذنابٌ تطفو تمني النفس بالوليمة. يا أماه: عندما فاتحني برغبته في الزواج مني لم يفاتحني بعينيه؛ إنما بعقله وقلبه وقراري يجب أن ينبع من عقلي وقلبي.

النهاية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نباتات صحراوية توجد بكثرة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رواية ( أوزار ) النص الكامل / د. سليمان زيدان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
للنشر....ملتقى المصباح الثقافي :: فضاءات ..أدبية وثقافية :: فضاء الرواية و القصة والسرد-
انتقل الى: